النجاة من التعليم.. The Odyssey أنموذجًا
قال لي أحد حكمائي المفضلين ذات مرة: «أنتِ يهمك المعنى». لم أفكر كثيرًا فيما إذا كانت تلك تهمة أم ثناء، لكنني قررت أن أتعامل معها باعتبارها ثناء. وهذه استراتيجية صرت أتبعها مؤخرًا حتى في اختيار الأفلام وإن لم يكن هناك معنى في كثير منها.
على كل حال، وفي وقت مبكر من يوم جمعة جميل، تتعمد فيه الرياض إدهاشك بنسمات لطيفة، ذهبت إلى السينما أنا وابني عمر. وفاجأني، حقيقة، أن السينما كانت ممتلئة عن آخرها بكل طيور الصباح الذين وعدتهم الرياض بجودة حياة، منها نعمة السينما صباحًا.
في الطريق، كان عمر يعرف كل شيء تقريبًا عن الأوديسة. وهذا طبيعي جدًا لطالب درس تعليمه العام في بريطانيا، أو أمريكا، أو أستراليا، أو أي نظام تعليمي يرى في التراث الثقافي العالمي فرصة تعلم كبيرة، لا مادة إضافية تثقل الجدول.
هناك، يقرأ الطلبة شكسبير، ويمثلون مسرحياته، ويتعرفون إلى الملاحم والحكايات الكبرى، فتزداد حصيلتهم اللغوية دون أن يشعروا أنهم يحفظون «حصيلة لغوية». وقد تجد طفلك قبل أن يصل إلى التاسعة يقول لك:
ماما، نحن لا نستطيع أن نقابل الغد؛ لأنه عندما يأتي يصبح اليوم.
أو يتحول فجأة إلى راوٍ من ملحمة جلجامش، ويقول وهو يعتلي الصوفا في غرفة المعيشة:
خرج يبحث عن الخلود، فعاد وقد تعلّم كيف يعيش.
أو يصبح هوميروس للحظة، فيقول لك فجأة، وأنت غارق في التفكير في ميزانية الشهر:
أبي، لا شيء أعذب للإنسان من وطنه ووالديه، مهما كان البيت الذي يسكنه بعيدًا غنيًا وفخمًا.
أعتقد أن ما سبق تجارب يعيشها كثير من الآباء والأمهات الذين يدرس أبناؤهم في أنظمة تعليمية تعرف كيف تلتقط فرص التعلم، وتجعل الأطفال ملازمين للحكمة والفلسفة والأدب، بأقل المشروعات تكلفة، وربما بأعظمها أثرًا.
عندما أطفئت الأنوار وبدأ الفيلم، عرفت لماذا أحب كبير الآلهة زيوس أوديسيوس، ولم أعرف حتى نهاية الفيلم لماذا كرهته بقية الآلهة وتعمدت الانتقام منه.
لقد كان رجلًا نزيهًا. حتى وهو يصيد فريسته، كان يطرق على سهمه لتنتبه إلى أن الصياد هناك. لكن النزاهة أحيانًا تتركنا مجروحين، وبعض الجراح ليست مجرد أثر في قلوبنا؛ قد تصبح علامة نحملها معنا، كما حمل أوديسيوس العلامة في ساقه، تلك التي جعلت خادمته الوفية تتعرف إليه، فيقفز قلبها حين تراه.
لكن الجرح نفسه قد يصبح شاهدًا على النجاة.، كرامة إلهية تحميه حتى يعود، ويتمكن في النهاية من قتل خُطّاب زوجته الوفية؛ تلك التي ظلت تنسج الكفن نهارًا وتنقض ما نسجته ليلًا، تؤجل قرارها، وكأنها تؤجل الاعتراف بأن الرجل الذي تنتظره لن يعود.
وفي الفيلم، أحبت أثينا، آلهة الحكمة واستراتيجية الحرب، هذا البطل، لكنها أصرت على معاقبته. وتجسدت له بملامح الفتاة العابدة في معبد أثينا التي قتلها جنوده. وفي كل مرة كانت تنتظر منه شيئًا واحدًا: أن يعترف بالخطأ، وأن يصل بنفسه إلى الحقيقة التي لم تستطع سنوات الانتصارات أن تعلمه إياها؛ أن الحرب، حتى حين تنتهي بالنصر، قد تكون هزيمة للإنسان.
ولذلك لم تصافحه إلا على عتبات زوجته، حين اعترف أخيرًا بأنهم، حتى بعد سقوط طروادة وانتصارهم، انهزموا كبشر. عندها فقط بدا أن سنوات العقاب الطويلة قد أدت مهمتها، وأن عليه أن يعود إلى بيته مجردًا من سلاحه وجنوده وغرور المنتصر.
وفي الفيلم يتساءل أصدقاؤه عن نبوءة أحد العرافين بأنه سيصبح مسجونًا، فيسخرون من فكرة أن يُسجن أوديسيوس. لم يكونوا يعلمون أن النساء قادرات على سجن أعظم الرجال وأقواهم، وربما لا يحتجن في ذلك سوى زهرة لوتس.
لكن القائد العظيم، الذي أراد أن يسمع أغاني الحوريات فأمر جنوده أن يربطوه، عرف أن الإنسان قد يعرف الفتنة، ويحذر منها، ثم يطلب الاقتراب منها فقط ليرى إن كان قادرًا على مقاومتها.
وربما وراء ذلك حكمة تصلح للجميع: الفتن تشغل الناس، حتى حين يكون الطريق في نهايته وطنًا.
كانت رحلته سلسلة طويلة من الدروس، انتهت بنجاته رغم صعوبتها والألم الكبير الذي عاشه، ومواجهته أخطاءه، حتى تلك التي حاول أن يدفنها في الطريق، ومنها خداع جندي صغير وثق به.
لكنها، في النهاية، رحلة جعلت الآلهة جميعًا تقر بانتهاء العقاب، وتستجيب، كل بطريقتها، لزيوس الذي أراد حمايته، حتى من نفسه.
وهنا، وأنا أشاهد الأوديسة، لم أستطع ألا أفكر في التعليم.لقد كانت دروس الآلهة الانتقامية نافعة جدًا لأوديسيوس، لكنها كانت مكلفة.
ودروس التعليم في عالمنا العربي مكلفة أيضًا؛ مكلفة ماديًا، وربما أكثر كلفة في هدر الوقت، وفي سنوات الحفظ، وساعات التدريب على الاختبارات، حتى يصبح الطالب أحيانًا كأنه يعيش في كوكب خالٍ من الحياة الواقعية: ينجح في كل الاختبارات، ثم يسقط في اختبار الحياة.
وهنا تبدو المفارقة.
فالطفل الذي يقرأ الأوديسة لا يتعلم فقط من هو أوديسيوس، ولا أسماء الآلهة، ولا تاريخ حرب طروادة. إنه يتعلم، دون درس مباشر في «مهارات الحياة»، عن الغرور والندم، والحرب والسلام، والإغراء والصبر، والوفاء والخيانة، والوطن والمنفى، والانتصار الذي قد يكون هزيمة، والهزيمة التي قد تكون بداية معرفة الإنسان بنفسه.
يتعلم كل ذلك من قصة.
دون مقرر جديد.
ودون حقيبة تدريبية.
ودون مشروع ضخم لتعليم مهارات المستقبل..
وهذا ربما ما تفعله أنظمة التعليم الذكية: لا تضيف إلى الطفل مزيدًا من التعليم، بل تضيف إلى التعليم مزيدًا من الحياة.
في نهاية الفيلم، وبعد كل هذه المعاناة، اختار أوديسيوس أن يأخذ زوجته نحو الأفق، إلى حيث تغيب الشمس، بعيدًا عن صراعات الدول المتنافسة والحروب التي استهلكت عمره.
أما كثير من أنظمة التعليم العربية فما تزال تقدم للطالب معادلة شديدة الاختصار:
تعلّم لتعيش.
تعلّم لتأكل.
تعلّم لتجد عملًا.
ثم يتخرج، فلا يوظفه السوق، ويكتشف أن الوظيفة لم تعد مضمونة، وأن الأكل وحده لم يعد كافيًا ليصنع حياة.
ربما لهذا نحتاج أن نعيد التفكير في السؤال من أساسه.
ليس: كم علّمنا أبناءنا؟
بل: كم من الحياة وضعنا فيما علّمناهم؟
فقد تكون النجاة الحقيقية من التعليم، ألا نسمح للتعليم بأن يأخذ أبناءنا بعيدًا عن الحياة، ثم يعيدهم إليها بعد اثني عشر عامًا وهم يعرفون كيف ينجحون في الاختبار، ولا يعرفون ماذا يفعلون حين تطفأ الأنوار، وتبدأ أوديسّتهم الخاصة.
المصدر: العربية – سياسة
