اليسار العربى
مضى زمن كان لليسار العربى فيه حضور قوى ودور مؤثر سياسيًا وفكريًا. كانت الأحزاب اليسارية تشغل مساحة مهمة فى الخريطة السياسية لدول عربية كثيرة من اليمن إلى المغرب، خاصة فى الفترة بين خمسينيات القرن الماضى وسبعينياته. وصل اليسار إلى الحكم فى اليمن الجنوبية، ونافس بقوة فى سوريا والعراق والسودان. وكان رقمًا مهمًا فى بقية البلدان العربية التى حضر فيها. ومن أهم ما نجح فيه اليسار العربى أنه أدخل فكرة العدالة الاجتماعية وجعلها قضية أساسية فى التفاعلات السياسية فى معظم البلدان العربية. لكن هذا الحضور القوى والمؤثر أخذ فى الانحسار تدريجيًا منذ بداية ثمانينيات القرن الماضى، أى فبل تفكك الاتحاد السوفيتى السابق وتراجع الأفكار الاشتراكية. فقد انحسر اليسار العربى لأسباب ذاتية تتعلق بطبيعة أحزابه وممارساتها وليس لعوامل خارجية. صحيح أن صدمة تفكك الاتحاد السوفيتى أثرت فى أحزاب يسارية عربية، خاصةً تلك التى كانت مرتبطة به ومنضوية تحت لواء «الكومنترن» الذى كان الحزب الشيوعى السوفيتى يقوده. ولكن الانقسام الذى رافق حركة اليسار العربى منذ البداية كان العامل الأكثر أهمية فى انحساره. ففى كل بلد عربى كان هناك أكثر من حزب يسارى. وكانت هذه الأحزاب متنافسة، بل متصارعة. ففى مصر على سبيل المثال، كانت هناك خمسة أحزاب يسارية فى الفترة المذكورة وهى الحزب الشيوعى المصرى وحزب العمال الشيوعى وحزب المؤتمر وحزب 8 يناير والتيار الثورى. وكان الخلاف الأساسى بينها على الطبيعة الطبقية للسلطة الحاكمة. فقد قُدمت اجتهادات مختلفة بشأن طبيعة الطبقات التى تنحاز إليها السلطة، وهل هى البورجوازية الكبيرة أم الطبقة الوسطى أم البورجوازية البيروقراطية. وانشغلت الأحزاب بهذا الخلاف أكثر مما اهتمت بالبحث عن سبيل لتوحيد حركة اليسار أو على الأقل إدارة العلاقات بينها بطريقة أقل ضررًا. ولأنها كانت كلها أحزابًا سرية فقد أعيتها المطاردات الأمنية وأسهمت فى تفاقم أزمتها الناتجة من الانقسام فى صفوفها.
نقلاً عن الأهرام
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)