انفراد.. حريق طنجة يكشف أنشطة صناعية غير مرخصة وتسرب مادة كيميائية سامة إلى المجال الطبيعي
لم تكن ألسنة اللهب التي ارتفعت، يوم 11 شتنبر الجاري، من أحد مصانع المنطقة الصناعية للسيارات بضواحي طنجة، مجرد حادث استدعى تدخل فرق الإطفاء وفتح تحقيق لتحديد أسبابه.
فالحريق، الذي امتدت آثاره إلى وحدات صناعية أخرى، أعاد إلى الواجهة ملفات كانت مفتوحة قبل اندلاعه بأشهر، وبعضها قبل أيام فقط، وفق معطيات حصل عليها «اليوم 24» بشأن وحدات صناعية داخل منطقتي TAC1 وTAC2.
وترسم المعطيات المتوفرة صورة تتجاوز واقعة الحريق نفسها، وتكشف بشكل عام عن وجود اختلالات مرتبطة بالتراخيص والاستيطان الصناعي، وتخزين النفايات الخطرة، ونقص حاد في التجهيزات المتعلقة بالتهوية والسلامة، وتخزين مواد قابلة للاشتعال، فضلا عن تسرب مواد كيميائية سامة وخطيرة إلى المجال الطبيعي.
وفي إحدى الحالات، دفعت اختلالات مسجلة السلطات المحلية إلى المطالبة بالإيقاف المؤقت والفوري لنشاط وحدة صناعية إلى حين تسوية وضعيتها، وذلك أيامًا قليلة قبل اندلاع الحريق، غير أن معطيات لاحقة سجلت استمرار الوحدة في ممارسة نشاطها بشكل عادي وعدم تنفيذ التوصيات الصادرة في حقها.
وبينما لا تسمح المعطيات المتاحة بربط هذه الاختلالات مباشرة بأسباب الحريق الأخير، فإن الحادث أعاد طرح أسئلة أوسع بشأن كيفية تدبير مخاطر السلامة والبيئة والترخيص داخل واحد من أهم الأقطاب الصناعية في شمال المغرب.
تراخيص غير محينة
تكشف المعطيات المتوفرة عن وجود وحدات صناعية تمارس نشاطها دون استكمال مسطرة الترخيص المطلوبة أو تحديث التراخيص، إذ تفتقر بعض المواقع إلى الوثائق التي تسمح لها بالتوطين داخل المنطقة الصناعية الحرة أو بمزاولة النشاط فيها.
وتكشف حالات أخرى عن وحدات صناعية توسعت إلى قطع أرضية إضافية دون تسوية وضعيتها الإدارية بالكامل، ودون الحصول على تراخيص البناء اللازمة لبعض هذا التوسع، بما يكشف عن فجوة بين النشاط الصناعي القائم فعليا على الأرض والوضعية القانونية والإدارية التي يفترض أن تغطيه.
وحسب معطيات حصل عليها « اليوم 24″، فإن إحدى الشركات التي طالتها ألسنة النيران في الحريق الأخير لا تتوفر على إذن للاستيطان بالمنطقة الحرة صادر عن المصالح المختصة بعمالة إقليم الفحص أنجرة.
ووفق مصادر مطلعة، فإن تساؤلات تطرح حول الكيفية التي تُمارس بها وحدات صناعية أنشطتها داخل منطقة خاضعة لنظام خاص للاستثمار والاستيطان، دون استكمال المساطر المطلوبة.
وتقول مصادر مطلعة على تدبير المنطقة الصناعية، إن الحالات المسجلة لا تقتصر على وحدة أو وحدتين، مؤكدة أن وضعية استيطان عدد من الشركات متعددة الجنسيات داخل المنطقة الصناعية الحرة تطرح إشكالات مماثلة.
وكشفت مصادر خاصة للموقع أيضا عن حالة شركة أجنبية جرى تفويتها إلى شركة أخرى، دون أن تتم، بحسب المصادر ذاتها، تسوية وضعية شهادة الاستيطان بعد عملية التفويت. وتكتسب هذه الحالة أهمية إضافية بالنظر إلى أن إحدى الوحدات المرتبطة بهذه العملية كانت ضمن المنشآت التي طالها الحريق الأخير، وفق المصادر.
في المقابل، نفى مصدر مسؤول في Tanger Med Zone وجود أي شركة تشتغل داخل المنطقة الحرة من دون رخصة استيطان أو توطين، مؤكدا في تصريح لـ »اليوم 24″، أن « كل الشركات التي طالها الحريق تتوفر على وثائقها ورخصها، كما أن الشركات المجاورة للوحدة التي اندلع فيها الحريق تتوفر بدورها على شهادات الاستيطان ».
وأوضح المصدر المسؤول ذاته، أن « بعض الحالات التي قد تبدو وكأنها تفتقر إلى رخصة، تتعلق في الواقع بشركات حصلت على ترخيص أولي لمزاولة نشاطها في محل مكتَرى، ثم انتقلت لاحقا إلى اقتناء أرض أو تشييد وحدة جديدة أو توسيع منشآتها، وهو ما يفرض تحيين الرخصة أو تجديدها »، مؤكدا أن « بعض الشركات توجد حاليا في مسطرة تجديد أو تحيين هذه الرخص ».
وأكد المصدر المسؤول في Tanger Med Zone، أن الشركات الدولية العاملة بالمنطقة تخضع، إلى جانب التشريعات الوطنية، لدفاتر تحملات والتزامات مرتبطة بزبنائها وشركات التأمين التي تتعامل معها.
نفايات خطرة وتسرب مواد كيميائية
ولا تقف الاختلالات التي تكشفها المعطيات التي حصل عليها « اليوم 24″، عند حدود الترخيص والاستيطان، إذ رُصدت، خلال الأشهر الأخيرة، مجموعة من الاختلالات المرتبطة بسوء تدبير وتخزين النفايات الصناعية الخطرة وغير الخطرة داخل بعض الوحدات، إلى جانب تخزين مواد كالزيوت المستعملة في أماكن غير مخصصة لها.
كما سجلت اختلالات مرتبطة بالتهوية وارتفاع درجات الحرارة داخل بعض فضاءات الإنتاج، وعدم تشغيل أنظمة التهوية، أو غيابها كليا في مواقع أخرى مخصصة لأنشطة صناعية متنوعة، وهو ما يطرح، بحسب مصادر مطلعة، أسئلة حول مستوى الالتزام الفعلي بمعايير الوقاية والسلامة داخل المنطقة.
وتكشف معطيات « أكثر خطورة » وفق المصادر ذاتها، عن « اختلالات سجلت داخل شركة يحمل مشروعها مستثمر صيني، تتعلق خصوصا بتدبير النفايات الخطرة »، منها ما يتعلق بغياب نظام لتتبع هذه النفايات وتدبيرها، إضافة إلى « وجود عمليات تصدير لبعض النفايات نحو دول أخرى، دون تقديم وثائق الترخيص المطلوبة لهذا التصدير ».
كما رصد، في حالات أخرى، عدم الإدلاء بشهادات مراقبة التركيبات الكهربائية من طرف مكاتب معتمدة، فضلا عن وجود مواد قابلة للاشتعال، وتجهيزات سبق استعمالها لتخزين مواد كيميائية سامة، وباحات خلفية غير مغطاة استُعملت لتخزين النفايات الخطرة وغير الخطرة بطريقة عشوائية.
وتكشف المعطيات ذاتها عن معاينة مواد كيميائية سامة سبق استعمالها وتخزينها في ظروف غير ملائمة.
كما سجل غياب حواجز العزل الخاصة بتسرب السوائل الخطرة، وعدم توفر وسائل لإخماد الحريق داخل أماكن تخزين النفايات، فضلا عن وجود طفايات حريق منتهية الصلاحية.
وخلصت المعاينات إلى تسجيل تسرب مواد كيميائية سامة وخطيرة إلى المجال الطبيعي، ما دفع الجهات المختصة إلى المطالبة بإجراء فحص شامل لتحديد مصدر هذا التسرب والكشف عن أي تسربات أخرى محتملة.
قرار بالإيقاف.. والنشاط يستمر
في نهاية يوليوز الماضي، أوصت الجهات المكلفة بالمراقبة باتخاذ إجراءات لمعالجة الاختلالات المرصودة داخل الوحدة التي يملكها مستثمر صيني.
وفي الأسبوع الأول من شتنبر الجاري، تطور الأمر إلى المطالبة بالإيقاف المؤقت والفوري لنشاطها إلى حين تسوية وضعيتها، بالنظر إلى المخاطر التي يشكلها النشاط على البيئة وصحة العاملين، وما قد تسببه النفايات والمواد المخزنة داخل المصنع من خطر اندلاع حريق.
وتظهر المعطيات المتوفرة أن السلطات المحلية راسلت الجهة المكلفة بتدبير المنطقة الصناعية من أجل تنفيذ الإيقاف المؤقت والفوري لنشاط الوحدة المذكورة، والذي طالبت به السلطات.
غير أن المصدر المسؤول في Tanger Med Zone قدم رواية مختلفة بشأن عدم تنفيذ الإيقاف بشكل فوري، موضحا أن لجنة متعددة الجهات عاينت بالفعل مجموعة من الاختلالات داخل الوحدة، لكن اتخاذ قرار بتوقيف نشاط مصنع، بحسب قوله، « لا يمكن أن يستند فقط إلى معاينات ميدانية، بل يجب أن يقوم على معطيات تقنية وعلمية قابلة للإثبات ».
وأضاف المصدر أن مصالح الجهة المسيرة قامت، بعد تسجيل الاختلالات، بأخذ عينات من المياه موضوع المعاينة وإحالتها على مختبرات مختصة، بهدف التحقق من طبيعة المواد الموجودة ومدى خطورتها، مؤكدا أن « أي قرار يجب أن يستند إلى نتائج علمية ومعايير قانونية واضحة، وليس فقط إلى ملاحظات ميدانية، مهما كانت الجهة التي سجلتها ».
وشدد المصدر على أن « قرار وقف نشاط مصنع تابع لمجموعة دولية لا يتخذ، بحسب تعبيره، بمجرد تسجيل ملاحظات أولية، بالنظر إلى ارتباط هذه الوحدات بشركات وزبناء دوليين، وما قد يترتب عن مثل هذه القرارات من انعكاسات اقتصادية واستثمارية »، مشددا على أن « صورة المغرب كقطب جاذب للاستثمار تدخل أيضا ضمن الاعتبارات المطروحة ».
وأكد المصدر أن Tanger Med Zone أجرت بدورها معاينة ميدانية للوحدة، وسجلت اختلالات، قبل أن تراسل الشركة بشأنها وتوجه نسخة من المراسلة إلى عامل الإقليم، مشيرا إلى أن « هذه الإجراءات تندرج ضمن عمليات المواكبة والمراقبة التي تقوم بها الجهة المسيرة بشكل مستمر ».
وبحسب المصدر، فإن نتائج التحاليل المخبرية المنتظرة اليوم الجمعة، ستحسم في طبيعة الإجراءات الواجب اتخاذها، موضحا أنه « إذا أثبتت المعطيات العلمية أن الوضع لا يشكل خطرا، فستواصل الشركة نشاطها، أما إذا أكدت النتائج وجود مخاطر، فسيتم اتخاذ التدابير اللازمة ».
ويضع هذا التباين بين المطالبة « الرسمية » بالإيقاف الفوري من جهة، وتمسك الجهة المسيرة بانتظار نتائج التحاليل العلمية من جهة أخرى، مسطرة تنفيذ قرارات المراقبة نفسها في صلب النقاش، خصوصا عندما يتعلق الأمر باختلالات مرتبطة بالسلامة والبيئة ومخاطر الحريق.
الحريق يعيد الملفات إلى الواجهة
وتفيد مصادر « اليوم 24″، بأن حريق 11 شتنبر دفع السلطات إلى إعادة فتح عدد من الملفات التي سبق أن كانت موضوع ملاحظات، وتسريع دراسة إجراءات تتعلق بالوحدات التي لم تسو وضعيتها بعد، بما يشمل ملفات الاستيطان والسلامة الصناعية والوضعية البيئية.
وتشير المعطيات إلى أن الحريق لم يكشف الاختلالات بقدر ما أعادها إلى صدارة الأولويات، بالنظر إلى أن جزءا مهما منها كان مسجلا بالفعل في تقارير رسمية قبل وقوع الحادث.
وتثير المصادر أيضا أسئلة بشأن تدبير منظومة الوقاية من الحرائق داخل المنطقة الصناعية. فوفق مصادر مطلعة، تنظم هذه الالتزامات بموجب إطار تعاقدي يرتبط بتدبير المنطقة والجهات المعنية بالاستثمار، مع تخصيص ميزانية تناهز أربعة ملايين درهم سنويا لأعمال الوقاية والمعالجة.
وتفيد المصادر بأن عمليات التدخل لإخماد حريق 11 شتنبر استعانت بشاحنات جرى استقدامها من ميناء طنجة المتوسط، بينها عربات توجد، وفق المصادر، في إطار الاستيراد المؤقت ولا تحمل ترقيما مغربيا دائما.
وتطرح هذه المعطيات أسئلة حول أوجه صرف الاعتمادات المخصصة سنويا للوقاية من الحرائق، وعن النقص الحاد في التجهيزات التي كان يفترض توفيرها داخل المنطقة.
وتذهب مصادر إلى أن المنطقة الصناعية تعاني من نقص حاد في التجهيزات ووسائل التدخل بما لا يتناسب مع حجم النشاط الصناعي ومخاطر الحرائق الموجودة بها، معتبرة أن محدودية الإمكانات المتاحة أخرت سرعة الاستجابة للحريق الأخير وساهمت في اتساع نطاق الأضرار.
ونفى المصدر المسؤول في Tanger Med Zone علمه بوجود ميزانية سنوية محددة في أربعة ملايين درهم للوقاية من الحرائق، مؤكدا في المقابل أن جميع المصانع العاملة داخل المنطقة الحرة ملزمة باحترام معايير السلامة والوقاية.
وأوضح أن « المسؤولية عن وسائل الحماية تبدأ، أولا، داخل كل مصنع، باعتبار أن كل وحدة صناعية مطالبة بالتوفر على تجهيزاتها الخاصة للاستجابة الأولية للحوادث، فيما تتوفر الجهة المسيرة بدورها على وسائل للتدخل، إلى جانب دراسة شمولية تحدد المواقع التي ينبغي أن تتمركز فيها وسائل التدخل داخل المنطقة الصناعية ».
مفارقات في المراقبة والتنفيذ
وتكشف المعطيات المتوفرة عن تباين واضح بين ما رصدته لجان المراقبة من اختلالات، وما تعتبره الجهة المسيرة كافيا للانتقال إلى إجراءات تنفيذية أكثر صرامة. فبينما سجلت اختلالات مرتبطة بالسلامة والبيئة ووضعية بعض التراخيص، لا تنفي Tanger Med Zone وجود بعضها، لكنها تدافع عن ضرورة استكمال التحقق التقني والعلمي قبل اتخاذ قرارات قد تصل إلى توقيف نشاط وحدة صناعية.
ويضع هذا التباين مسألة تنفيذ توصيات وقرارات المراقبة في صلب النقاش، إذ لا يتعلق الأمر فقط برصد الاختلالات، بل أيضا بتحديد الجهة التي تملك صلاحية تقدير مدى خطورتها، والمرحلة التي ينبغي أن تتحول فيها الملاحظات والتوصيات إلى إجراءات ملزمة على أرض الواقع.
وأخيرا، لم يعد السؤال المطروح مقتصرا على: كيف اندلع الحريق؟ بل يمتد إلى سؤال آخر: كيف استمرت بعض هذه الاختلالات دون معالجة كاملة، إلى أن أعاد الحريق ملف السلامة داخل المنطقة الصناعية إلى الواجهة؟
المصدر: اليوم 24



