باحثة: خوارزميات « فايسبوك » و »تيك توك » حوّلت قرارات فردية إلى موجة عبور جماعية نحو سبتة المحتلة
لم تكن منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لتداول أخبار الهجرة، بل تحولت إلى عامل مؤثر في تضخيم موجة العبور الجماعي نحو سبتة، بعدما أظهر تحليل لمضامين رقمية أن المحتوى المشجع على العبور عبر « فايسبوك » تجاوز 50 مليون مشاهدة، فيما حصدت على « تيكتوك » مقاطع قصص النجاح مشاهدات تفوق منشورات التحذير من مخاطر الهجرة بنحو 4.6 مرات.
المعطيات وردت في مقال رأي حديث نشرته وكالة بلومبرغ للباحثة المغربية مريم شرتي الباحثة الأولى بالمركز المعني بالهجرة والسياسات والمجتمع COMPAS التابع لجامعة أكسفورد، التي خلصت إلى أن موجة العبور الجماعي لا تحتاج بالضرورة إلى وجود جهة مركزية تدير التحركات، بقدر ما يمكن أن تكون نتيجة لتفاعل أفقي بين الأفراد، قبل أن تتولى الخوارزميات وشبكات التواصل الاجتماعي تضخيم هذا التفاعل وتحويله إلى حركة جماعية واسعة.
من قرار فردي إلى تحرك جماعي
وتعتبر شرتي أن تفسير موجة العبور باعتبارها تحركا عفويا بالكامل أو عملية منظمة بالكامل يبقى غير كاف لفهم تعقيد الظاهرة، إذ يمكن أن تنشأ الدينامية بشكل تدريجي من خلال التواصل بين أفراد يتبادلون المعلومات والتجارب، قبل أن تتدخل خوارزميات المنصات في تحديد المحتويات الأكثر قابلية للانتشار.
وبهذه الطريقة، يمكن لقرار فردي بالهجرة أن يتحول، بفعل التفاعل الرقمي، إلى سلوك جماعي واسع، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمضامين توثق محاولات نجاح سابقة أو تقدم معلومات عملية حول طرق العبور.
دراسة سابقة تكشف طبيعة المحتوى المتداول
واستند تحليل الباحثة إلى بحث سابق تناول محاولة جماعية للهجرة نحو سبتة في شتنبر 2024، من خلال دراسة 180 منشورا عالي التفاعل على « فايسبوك » و »تيكتوك » و »إكس وريديت ».
وأظهرت النتائج أن أكثر من 80 % من المحتوى كان باللغة الدارجة المغربية، بما يعكس وفق التحليل الطابع المحلي للنقاش. كما برز « فايسبوك » و »تيكتوك » باعتبارهما المنصتين الأكثر حضورا في تشجيع محاولات العبور وتوثيقها، بينما كان استخدام « إكس وريديت » أكثر ارتباطا بالتعليق والنقاش حول الأحداث.
وتنوعت المضامين بين الاحتفاء بمحاولات عبور ناجحة، والتحذير من مخاطر الغرق، وتبادل معلومات حول تحركات الدوريات الأمنية وظروف السباحة، فضلا عن مناقشة إجراءات الهجرة الإسبانية والتعبير عن الإحباط من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
لا عقل مدبر واحد
ورغم وجود مؤشرات على بعض مظاهر التنظيم الرقمي، فإن الباحثة لم تجد في المضامين التي درستها ما يثبت وجود حملة دعائية مركزية تقود التحركات.
ورصدت عناصر تشبه الحملات الرقمية المنظمة، من قبيل تداول موعد محدد مسبقا، ونشر عد تنازلي وشعارات وصور متكررة، وهي عناصر ساهمت في خلق شعور بالهوية الجماعية، قبل أن يبلغ النشاط الرقمي ذروته في 15 شتنبر 2024.
وبالنسبة إلى موجة 2026، ترى شرتي أن الدينامية نفسها عادت إلى الظهور، خصوصا مع الانتشار السريع لرسائل مضللة تزعم أن الحدود أصبحت مفتوحة، وهو ما ساهم في خلق توقعات لدى بعض المستخدمين بإمكانية العبور.
وتبرز الأرقام التي أوردها التحليل حجم الفارق بين المحتوى الذي يشجع على المغامرة والمحتوى الذي يحذر من مخاطرها.
ففي عينة سنة 2024، حصدت مقاطع قصص النجاح على « تيكتوك » مشاهدات تفوق منشورات التحذير بنحو 4.6 مرات، بينما تجاوز إجمالي مشاهدات المحتوى المشجع على العبور عبر « فايسبوك » 50 مليون مشاهدة.
وتكشف هذه المعطيات بحسب التحليل، أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود محتوى متعلق بالهجرة، وإنما في الطريقة التي تعمل بها أنظمة التوصية والتفاعل على تضخيم بعض الروايات على حساب أخرى.
فالمحتوى الذي يقدم تجربة نجاح أو صورة جذابة عن الوصول إلى الضفة الأخرى يكون أكثر قدرة على جذب المشاهدات والتفاعل، وبالتالي أكثر قابلية لإعادة التوصية به والوصول إلى مستخدمين جدد.
ولا تقول الباحثة إن « فايسبوك » و »تيكتوك » نظما عملية العبور بالمعنى التقليدي، لكنها ترى أن أنظمة التفاعل والتوصية لعبت دورا أساسيا في تحديد الحسابات والروايات التي تمكنت من الوصول إلى جمهور واسع.
وبدا أن محتوى النجاح والطموح حظي بقدرة أكبر على الانتشار، بينما واجهت رسائل التحذير من الغرق ومن صعوبة الأوضاع داخل سبتة قدرة أقل على المنافسة في الفضاء الرقمي.
وهكذا، لا تصبح المنصة مجرد وسيط ينقل المعلومات، بل يمكن أن تتحول خوارزمياتها إلى عنصر مؤثر في تشكيل البيئة التي يتخذ داخلها الأفراد قراراتهم.
المصدر: اليوم 24
