بطالة مصر عند أدنى مستوى تاريخي.. من يقف وراء صناعة الوظائف؟
سجلت مصر تطوراً لافتاً في سوق العمل خلال الربع الثاني من عام 2026، بعدما انخفض معدل البطالة إلى 5.8%، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ عقود، مدعوماً بزيادة أعداد المشتغلين وتراجع أعداد الباحثين عن العمل.
وتعكس هذه الأرقام تحسناً ملحوظاً في مؤشرات التوظيف، إلا أنها تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة الوظائف الجديدة ومدى استدامتها، خاصة في ظل تراجع الاستثمارات الإنتاجية والصناعية خلال الفترة نفسها.
صافي الأصول الأجنبية للبنك المركزي السعودي يقفز 10.7% بنهاية يوليو
ارتفاع المشتغلين وتراجع العاطلين
جاء انخفاض البطالة نتيجة ارتفاع عدد المشتغلين بأكثر من 274 ألف فرد خلال الربع الثاني من العام، في مقابل تراجع عدد المتعطلين بنحو 51 ألف شخص، ما ساهم في دفع معدل البطالة إلى أدنى مستوياته التاريخية.
ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره مؤشراً إيجابياً على قدرة الاقتصاد على استيعاب أعداد أكبر من القوى العاملة، رغم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الأسواق الإقليمية والعالمية.
الزراعة والتجارة تقودان التوظيف
وتظهر بيانات سوق العمل أن قطاع الزراعة استحوذ على نحو 19% من إجمالي المشتغلين، ليأتي في صدارة القطاعات المولدة للوظائف، تليه التجارة بنسبة تقارب 17%.
في المقابل، جاءت الصناعات التحويلية في المرتبة الثالثة فقط، بحصة لا تتجاوز 14% من إجمالي العاملين، وهو ما يسلط الضوء على محدودية مساهمة القطاع الصناعي في خلق فرص العمل مقارنة بالقطاعات الأخرى.
مفارقة الشركات والاستثمارات
ورغم التحسن في معدلات التوظيف، تكشف البيانات الاقتصادية عن مفارقة لافتة.
فخلال النصف الأول من عام 2026، ارتفع عدد الشركات الجديدة بنحو 20% ليتجاوز 26 ألف شركة، إلا أن قيمة الاستثمارات الجديدة تراجعت بنحو 28% لتبلغ حوالي 2.5 مليار دولار فقط.
ويعني ذلك أن وتيرة تأسيس الشركات تتسارع، لكن متوسط حجم الاستثمارات المرتبطة بها يتراجع، ما يشير إلى أن الشركات الجديدة أصبحت أصغر حجماً وأقل تمويلاً مقارنة بالفترات السابقة.
الصناعة تحت الضغط
وتبدو الصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى القطاع الصناعي، إذ تراجعت الاستثمارات الصناعية بنحو 70%، بينما لم تتجاوز حصة الشركات الصناعية الجديدة 12% من إجمالي الشركات التي تم تأسيسها.
في المقابل، هيمن قطاع الخدمات على النشاط الاقتصادي الجديد، مستحوذاً على أكثر من 62% من الشركات المؤسسة خلال الفترة نفسها.
ويرى اقتصاديون أن هذا التحول قد يفسر جانباً من نمو الوظائف، لكنه يثير تساؤلات حول قدرة الاقتصاد على خلق وظائف عالية القيمة والإنتاجية في المستقبل.
تراجع الاستثمار الأجنبي والإنتاج الصناعي
وزاد من هذه المخاوف استمرار تراجع الاستثمار الأجنبي، الذي انخفض بأكثر من 60% ليصل إلى أقل من 313 مليون دولار خلال النصف الأول من العام.
كما انخفض الرقم القياسي للصناعات التحويلية بنحو 4% خلال مايو/أيار الماضي، متأثراً بتراجع نشاط صناعات رئيسية مثل الأغذية والمنسوجات بأكثر من 10% لكل منهما.
هل الوظائف الجديدة مستدامة؟
ورغم أن انخفاض البطالة يمثل إنجازاً اقتصادياً مهماً، فإن التحدي الأكبر لا يتعلق بعدد الوظائف فقط، بل بطبيعتها وجودتها وقدرتها على دعم النمو طويل الأجل.
ففي الوقت الذي تتوسع فيه قطاعات الخدمات والتجارة في خلق فرص العمل، يواجه القطاع الصناعي والاستثمارات الإنتاجية ضغوطاً واضحة، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة الوظائف الجديدة وقدرتها على تحقيق قيمة مضافة أعلى للاقتصاد المصري.
ويبقى السؤال الأهم: هل يعكس تراجع البطالة تحولاً هيكلياً حقيقياً في سوق العمل المصري، أم أن ضعف الاستثمار الصناعي قد يحد من جودة وفرص النمو الوظيفي في السنوات المقبلة؟
المصدر: العربية – اقتصاد



