بعد الضربة السعودية… بغداد أمام اختبار الدولة لكبح الميليشيا وضبط السلاح السائب
رغم تعهد العراق مراراً باتخاذ إجراءات قانونية تجاه المتورطين باستهداف السعودية ودول الخليج، وتشكيل لجان تحقيق خاصة لمتابعة القضية، لم تعزز تلك الوعود من اقتراب فصول انتهاء تكرار هجمات ميليشيات إيران من العراق الذي يدعي التزامه الدستوري بمبادئ حسن الجوار، ما يرفع مستوى التساؤلات حول: مدى جدية حكومة بغداد في منع تكرار الهجمات المنطلقة من أراضيها؟.

منذ اندلاع الحرب الإقليمية، شنت ميليشيات إيرانية في العراق هجماتها ضد دول الخليج التي طالبت حكومة بغداد باتخاذ كافة الإجراءات الأمنية لمنع تحويل أراضيها منصة للاعتداءات، ولم تكن الهجمات المتكررة على منفذ العبدلي الحدودي في الكويت آخر تلك الاعتداءات، بل الضربات المتتالية لمنشآت بترولية في السعودية أيضاً.
وأمام تلك الهجمات المتكررة، ردت الرياض فجر الأربعاء على مصادر التهديد، لردع قدرة محاولات استمرار تلك الجماعات بتوجيه ضرباتها ضد المملكة التي تحافظ على ضبط النفس، وتعزيز خيارات التهدئة، وفرض منطق الدولة.
وينسجم رد السعودية ضد ميليشيات إيران في العراق التي حاولت استهداف منشآت بترولية في المملكة في إطار حق الدفاع عن الأمن الوطني الذي تكفله المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، إذ تنص على:” الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسها إذا اعتدت عليها قوة مسلحة”.

نهج تصعيدي غير مسؤول
وأمام “النهج التصعيدي غير المسؤول” الذي اختارته الميليشيات الإيرانية في العراق ضد الرياض، حملت لغة بيان الرئاسة العراقية “إدانة القصف”، معتبرة ما حدث بـ “الاعتداء المرفوض” و”الانتهاك الصارخ لسيادتها”، رغم أن ضربات “الردع السعودية” جاءت في إطار القانون الدولي، وحماية لثوابت أمنها الوطني مقابل اعتداءات فصائل مسلحة لم يستطع العراق كبح جماحها، والكشف عن ملابسات المتسببين في تنفيذها، منذ اندلاع التوترات الإقليمية.
— رئاسة جمهورية العراق (@IraqiPresidency) July 29, 2026
الرياض: لا نستهدف العراق وشعبه
وشددت الرياض على عدم “سعيها إلى التصعيد واتخاذ الإجراءات كافة للحفاظ على سيادتها وحماية مواطنيها، ومقدراتها”، في تأكيد على ردع مصادر العدوان دون السماح لتلك الجماعات بدفع الرياض للانخراط في حرب إقليمية، لافتة إلى أن الضربات لا تستهدف العراق وشعبه بل الميليشيات الإرهابية.
#بيان | تعرب وزارة الخارجية عن ترحيب المملكة العربية السعودية بإعلان فخامة الرئيس دونالد ج. ترمب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عن الاتفاق التاريخي المتعلق بنزع السلاح في قطاع غزة، وتثني المملكة على قيادة الرئيس ترمب والتزامه الثابت، اللذين كان لهما دور محوري في تحقيق هذا… pic.twitter.com/ssNpbRb45t
— وزارة الخارجية 🇸🇦 (@KSAMOFA) July 31, 2026
التحرك الميليشياوي
هنا، لا يقرأ الباحث السياسي السعودي، سلمان العنزي، واقع الضربات المنطلقة من العراق في إطار ما أسماه “التحرك الميليشياوي” فحسب، بل فعلاً صادراً عن تنظيم مسلّح منفلت يستخدم الدولة العراقية كأداة ويستغل الفراغ السيادي من أجل الاتصال السياسي.

رسائل سعودية
في سياق متصل، يبعث استهداف الميليشيات الإيرانية للسعودية برسائل متزامنة لأطراف ثلاثة: للداخل العراقي لتأكيد تفوق تلك الميليشيات على الدولة، ولإيران الراعية الإقليمية لإثبات الانضباط والولاء، وللبيئة الإقليمية لإظهار القدرة على الإيذاء من داخل المنطقة، وفقاً للباحث الدكتور سلمان العنزي.
واستبقت السعودية ضرباتها ضد ميليشيات إيران في العراق التي جاءت أثناء سعي المملكة لخفض التصعيد في المنطقة، بإرسال رسالة إلى بغداد: التشديد على ضرورة منع استخدام أراضيها منطلقاً للعدوان، يقابل ذلك، استدعاء السفيرة العراقية صفية السهيل وتسليمها مذكرة احتجاج على إثر الاعتداءات المتكررة، على غرار خطوات خليجية مماثلة.
كسر سيادة الدولة العراقية
ورغم تشديد بغداد على أنه “لا تساهل أمام كسر سيادة الدولة العراقية، أو الإساءة إلى العلاقات مع المملكة أو دول الجوار والأشقاء”، لم تكشف حكومة العراق حتى اللحظة أي نتائج للتحقيقات والإجراءات المتخذة في سبيل ردع مصادر العدوان.
مصدر سعودي لـ "العربية": الضربات لم تكن موجهة ضد الشعب أو الحكومة العراقية.. وجاءت بعد استنفاد جميع الإجراءات الدبلوماسية pic.twitter.com/oqmpZVPYVM
— العربية السعودية (@AlArabiya_KSA) July 31, 2026
عدوان الفصائل
من جهته، يرى مدير مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، أن “عدوان الفصائل المسلحة على السعودية عبر الضربات الأخيرة، يبعث برسائل لمحاولة إفشال جهود حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في “مسك الأرض”.
ويوضح أن الزيدي يمضي في تنفيذ خطوات وقف تلك الاعتداءات غير أن “حلفاء إيران في العراق يعيقون تلك الجهود، يقول :” هذه الجماعات لا تزال قلقة من طبيعة توجهات سياسة حكومة الزيدي عبر: “ترسيخ مسار الدولة، وتنمية العلاقات العربية وتعزيز التعاون مع أميركا”.

قرار الميليشيات ليس عراقياً
ومضى مدير مركز التفكير السياسي العراقي إحسان الشمري بتقديم مزيدٍ من الإيضاح، مشيراً إلى أن ” اعتداءات الفصائل المسلحة الإيرانية في العراق ضد السعودية موجهةّ من إيران ولا يمكن اعتبار تلك الهجمات قراراً عراقياً بل إيرانياً.
— U.S. Central Command – Arabic (@CENTCOMArabic) July 29, 2026
قبل يومين، أطل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريح لافت: الضربات الأميركية – السعودية التي استهدفت فجر الأربعاء ميليشيات عراقية مدعومة من إيران جرى تنسيقها مع الحكومة العراقية.
تصريحات ترامب .. إحراج للزيدي
لا يمكن قراءة واقع الضربات ضد الجماعات المسلحة التي وصفها ترامب بـ “سرطان ينهش العالم” دون تفسير قيمة تصريحه الأخير بشأن التنسيق مع الحكومة العراقية، هنا يعتقد إحسان الشمري أن واقع هذا التنسيق يحرج حكومة الزيدي ويضاعف الضغوط على الفصائل المسلحة.
نفي عراقي
عقب ذلك التصريح، نفى العراق واقع وجود أي تنسيق مسبق مع أميركا، إذ قالت الحكومة العراقية إنها لم تعلم بوقوع الضربات الأميركية – السعودية على مقرات ميليشيات الحشد الشعبي، بعد إعلان ترامب.
ازدواج السلطة
ويشير الباحث السياسي السعودي سلمان العنزي، إلى أن حالة الإنكار العراقية تجسد حالة ازدواج السلطة، إذ إن “الدولة تتحدث” غير أن الفعل العملياتي بيد ميليشيات تمتلك بنية تنظيمية وموارد وقدرة على المناورة داخل الفراغ السيادي العراقي”.
مصدر سعودي
وفي آخر تطورات الموقف، كشف مصدر سعودي مسؤول لـ”العربية”، أن الضربات السعودية التي استهدفت الميليشيات الإرهابية الموالية لإيران في العراق ليست موجهة ضد شعب العراق أو حكومته، بل ضد قدرات الميليشيا المهددة لأمن المملكة.

التهدئة ليست سياسة مفتوحة
“التهدئة خيار استراتيجي لكنها ليست سياسة مفتوحة بلا حدود رسالة سعودية واضحة”، هكذا قرأ الباحث السياسي والمستشار الفكري السعودي، يوسف الديني، رسائل الرياض إزاء ردع مصادر العدوان.
يقول الديني إن الدول مسؤولة عن حماية أمنها ومواطنيها، وأي اعتداء يستوجب الرد بما يحفظ الردع ويمنع تكرار الهجمات، دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة تخدم الأطراف الساعية إلى توسيع دائرة الصراع وكل ذلك وفق أخلاقيات حسن الجوار أولاً ثم مقتضيات القانون الدولي ومنطق الدولة.

هشاشة الحالة العراقية
يكشف استهداف المملكة من قبل ميليشيات العراق المدعومة من إيران مفارقة جوهرية ومعضلة بنيوية، ضمن هشاشة الحالة العراقية، وفقاً لحديث الباحث الديني.
ويشير الباحث السياسي السعودي الديني إلى أنه في الوقت الذي تتحرك الرياض وفق منطق الدولة المسؤول، ما تزال بعض الجماعات المسلحة تتحرك بمنطق الوكيل الذي يوظف السلاح لخدمة أجندات تتجاوز حدود الدولة العراقية نفسها، ما يفرض تمييزاً مهماً بين الحرص على عدم التصعيد والسماح بتحول الاعتداءات إلى أمر مسكوت عنه ويمكن أن يمر دون عقاب أو رادع، وفقاً لقوله.
وباستعراض مضامين بيان الخارجية السعودية إزاء ضربات الرياض لعدوان الميليشيات، يشير البيان ذاته إلى أن “المملكة تجدد عزمها على حفظ أمنها وسيادتها”، لافتاً إلى أن هذه الميليشيات الإرهابية الموالية لإيران اختارت النهج التصعيدي غير المسؤول، وانتهاك القانون الدولي، وتجاهل ما تقتضيه الأخوة الإسلامية من الالتزام بمبادئ حسن الجوار.

اتساق المواقف
ويشدد يوسف الديني بأن الموقف السعودي يُظهر اتساقاً واضحاً بين الخطاب السياسي والممارسة الاستراتيجية، إذ يوضح على أن المملكة لم تجعل خيار التهدئة مناقضاً للحزم وحق الرد المشروع كما أن الحكمة وسياسات ضبط النفس لا يمكن قراءتها خارج ثوابت الأمن الوطني.
تحرك سعودي
وتحركت الرياض ضد مصادر العدوان عقب استنفاد جميع الإجراءات الدبلوماسية والسياسية، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس خلال الأشهر الماضية، كما يرى مصدر سعودي تحدث إلى العربية.
واللافت في مضامين جملة تصريحات الرياض تأكيد سعودي على “حرص المملكة على العلاقة مع العراق حكومة وشعباً، كما فنّدت المزاعم التي يجري ترويجها لتأجيج الطائفية، واختمم المسؤول تصريحاته بـ”ما تروج له بعض الجهات داخل العراق وخارجه في إطار محاولة لتأجيج الطائفية لا ينطلي على العقلاء العراقيين ولا على الشعب العراقي الواعي”.
الرياض داعم اقتصادي لبغداد
ورغم غياب الأمن والاستقرار في العراق وكثافة الاعتداءات ضد السعودية ودول الخليج، تؤكد الرياض على أهمية ترسيخ الاستقرار واحترام سيادة بغداد واستقلالها، وإحياء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، كما دعمت المملكة اقتصاد العراق عبر تعزيز التبادل التجاري وتأسيس الشراكات الاستثمارية.
يقول يوسف الديني إن استمرار المملكة في دعم العراق اقتصادياً واستثمارياً، رغم هذه الاعتداءات، يعكس أن الرياض لا تنظر إلى العراق باعتباره خصماً، إنما تميز بين الدولة العراقية التي تسعى إلى استعادة سيادتها، والميليشيات التي تعمل خارج احتكار الدولة للقوة، لافتاً إلى أن حماية العراق من هيمنة السلاح المنفلت ليست مصلحة عراقية فحسب، بل عربية وإقليمية أيضاً.
المصدر: العربية

