بفضل محكمة دولية بجنيف.. ألغيت حرب بريطانية أميركية

عقب انتخاب أبراهام لينكولن رئيساً للبلاد عام 1860، عاشت الولايات المتحدة الأميركية على وقع اندلاع الحرب الأهلية بحلول شهر أبريل (نيسان) 1861 حيث فضلت الولايات الجنوبية إعلان خروجها عن الاتحاد وتشكيل كيان مستقل عرف بالولايات الكونفدرالية.
وفي الأثناء، مثلت الحرب الأهلية أكثر نزاع دموي بتاريخ الولايات المتحدة الأميركية، حيث شهدت الأخيرة سقوط ما يزيد عن 600 ألف قتيل وانتهت بانتصار الاتحاد وإجهاض العبودية بكامل أرجاء البلاد.
ومع نهاية هذا النزاع الدامي، اتجهت الولايات المتحدة الأميركية لمطالبة بريطانيا بدفع تعويضات كبيرة عقب اتهامها بزعزعة استقرار البلاد بسبب عدم التزامها بالحياد وإقدامها، بشكل غير مباشر، على مساعدة الكونفدراليين.

سفن الكونفدراليين
ومع اندلاع الحرب الأهلية الأميركية، واجه قطاع القطن ببريطانيا أزمة كارثية، حيث اعتمد المصنعون البريطانيون بشكل شبه تام على القطن الأميركي الذي استوردوه من الولايات الجنوبية. وبسبب عدم امتلاكها لسلاح بحرية فعال ووقوعها تحت حصار خانق فرضته عليها بحرية الاتحاد، اتجهت الولايات الجنوبية لصناعة سفن حربية بأحواض بناء السفن البريطانية.
وفي تلك الفترة، اعتمد الجنوبيون على عدد من التجار والأثرياء الموجودين ببريطانيا لبناء هذه السفن التي صممت في البداية كسفن تجارية لتجنب إثارة الشكوك. ومع انطلاقها، تزود هذه السفن في عرض البحر بمدافع قبل أن تجوب البحار لتدمير السفن التجارية التابعة للاتحاد.
وخلال الحرب الأهلية، كانت بريطانيا قد أعلنت حيادها بشكل تام وعدم وقوفها إلى جانب أي طرف. وفي الأثناء، تحولت عملية بناء سفن الكونفدراليين في أحواض بناء السفن البريطانية إلى أزمة أثارتها واشنطن بحلول العام 1869، مؤكدة على عدم التزام بريطانيا بالحياد وتسببها في خسائر فادحة لاقتصادها.

خلاف أميركي بريطاني
إلى ذلك، هاجمت سفن الكونفدراليين السفن التجارية التابعة للاتحاد بجميع المناطق في المحيطات. وأملاً في النجاة، لجأت بعض سفن الاتحاد لحمل أعلام دول أخرى لتجنب استهدافها من قبل الكونفدراليين.
وفي الأثناء، تمثل السفينة الحربية الكونفدرالية “سي إس إس ألاباما” (CSS Alabama) أشهر سفن الكونفدراليين التي أثارت الرعب بالبحار. فلوحدها، نهبت ودمرت هذه السفينة ما يزيد عن 60 سفينة من سفن الاتحاد.
وخلال العام 1869، عرفت العلاقات بين واشنطن ولندن توتراً غير مسبوق. وفي نفس الفترة، قدمت الولايات المتحدة الأميركية مذكرة لبريطانيا طالبت من خلالها بتقديم تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها بسبب السفن التي بنيت بأحواضها.
وقد ركزت هذه المذكرة في الأساس على الأضرار التي تسببت بها السفينة “سي إس إس ألاباما”. لاحقاً، اتخذت الأحداث منحى خطيراً دفع البريطانيين للتحرك والتفاوض عقب تعالي أصوات بعض السياسيين الأميركيين الذين طالبوا بتقديم تعويضات وتنازل بريطانيا عن مستعمرتها بكندا.

محكمة دولية
وأملاً في تجنب خيار الحرب، وقعت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا معاهدة بالعاصمة واشنطن يوم 8 مايو (أيار) 1871. وبموجب هذه المعاهدة، اتفق الطرفان على اللجوء لمحكمة دولية بمدينة جنيف السويسرية لفض الخلاف.
وحينها، وقع الاختيار على سويسرا بسبب سجلها بمجال السلام والحياد بالنزاعات.
وحسب ما تم التوصل له، تكونت المحكمة الدولية من ممثل عن بريطانيا وآخر عن الولايات المتحدة الأميركية إضافة لحكام تم تعيينهم من قبل إيطاليا والبرازيل وسويسرا.
وبحلول سبتمبر (أيلول) 1872، قدمت هذه المحكمة الدولية بجنيف حكمها وشددت على دور بريطانيا في دعم الكونفدراليين بشكل غير مباشر بسبب عدم مراقبتها لوجهة السفن التي صنعت بأحواضها. ومع إدانتها، أجبرت بريطانيا على تقديم مبلغ 15.5 مليون دولار للولايات المتحدة الأميركية.
وخلال الفترة التالية، ساهم قرار المحكمة الدولية في تحسن العلاقات الأميركية البريطانية بشكل كبير. كما لعبت هذه الأحداث دوراً هاماً في ظهور القوانين الدولية بالعقود التالية.
المصدر: العربية



