بنك مصر بين «عقلية الضحية» وحسن إدارة الأزمة
لا تعرف الأزمات المالية أسوأ من الإنكار كآلية للاشتباك معها، ولا تزال الأزمات عصية على الإدارة حتى يخرج من بين العقلاء من يجيدون قراءتها، بعيداً عن عقلية الضحية ومنطق المؤامرة. فحين يصدر إجراء أمريكى ضد مؤسسة مالية مصرية، نجد بعض روّاد مواقع التواصل يسارعون إلى وضعه فى سياق سياسى منحاز، وربطه بمواقف مصر الدولية أو بعلاقاتها مع الصين أو روسيا أو تجمّع بريكس، وكأن كل ضغط خارجى لابد أن يكون عقابًا سياسيًا. تلك هى «عقلية الضحية» التى يستهلكها البحث الدائم عن المؤامرات لتفسير الأزمات، فلا تلتفت إلى الوقائع، وهى فى حالة الأزمة الراهنة لبنك مصر فرع الإمارات، تفسير مستبعد فى ضوء طبيعة الإجراء ونطاقه المعلن.
ففى ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦، أعلنت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية (FinCEN) مقترحًا بموجب المادة ٣١١ من قانون «باتريوت» يستهدف عمليات بنك مصر فرع الإمارات كونها مصدر قلق رئيسى من منظور شبهات غسل الأموال. والمهم أن الإجراء المقترح، وفق النص الأمريكى نفسه، يخص فرع الإمارات دون المركز الرئيسى فى القاهرة أو عمليات البنك فى دول أخرى.
وتقدّر الخزانة الأمريكية أن هذا الفرع عالج، بين يناير ٢٠٢٤ ويونيو ٢٠٢٦، نحو ١،٨ مليار دولار لصالح ١٠٣ شركات يُحتمل ارتباطها بشبكات «الصيرفة الموازية» الإيرانية، وتزعم أن بعضها يعمل كواجهة مرتبطة بجهات إيرانية خاضعة للعقوبات؛ وهى اتهامات ينبغى التعامل معها بجدية بالغة، دون تحويلها تلقائيًا إلى إدانة نهائية قبل استكمال المسار التنظيمى والقانونى.
وهنا تبرز أهمية فهم طبيعة المادة ٣١١، فهى ليست مرادفًا لعقوبة شاملة أو قطع دولى للعلاقات مع البنك. الإجراء المقترح حاليًا يمنع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح فرع الإمارات، مع إجراءات عناية واجبة إضافية، وتؤكد الشبكة صراحة أن هذا الإجراء لا ينطبق على عمليات البنك فى الدول الأخرى. لكن الاستهانة بالمسألة خطأ كبير، فحتى إذا لم يتحوّل المقترح إلى إجراء نهائى، فإنه قد يخلق أثرًا احترازيًا يتجاوز نطاقه القانونى، تتحفظ على خلفيته البنوك المراسلة فى التعامل مع كافة فروع البنك، وتتسع دائرة التدقيق فى تعاملاته..ناهيك عن ارتفاع مخاطر السمعة والامتثال التى ترفع من تكاليف العمليات وتنعكس على متغيرات كثيرة منها سعر صرف الدولار فى مصر.
فالتحدى الحقيقى إذن ليس فى القرار الأمريكى نفسه، بل فى منع انتقال أثره النفسى والتنظيمى إلى علاقات البنك الدولية.
والتجارب السابقة تحمل درسًا هاماً، فالمقترح المذكور ليس نهاية الطريق. ففى سبتمبر ٢٠٢٤، سحبت شبكة FinCEN إجراءً مماثلًا ضد بنك ABLV (فى لاتفيا)، بعدما خلصت إلى أن تطورات لاحقة أسهمت فى خفض مخاطر غسل الأموال المرتبطة بالبنك. كما شهدت حالات أخرى سحب إجراءات بموجب المادة ٣١١ بعد إدخال إصلاحات جوهرية أو تغير الظروف التى استند إليها الإجراء فى الأصل. وتؤكد وزارة الخزانة الأمريكية نفسها أن بعض المؤسسات تمكنت من إعادة تأهيل ممارساتها وتعزيز ضوابطها، بما أدى إلى تراجع المخاطر محل القلق، ومن ثم عدم المضى قدمًا فى تحويل المقترح إلى عقوبة نهائية.
وتللك السوابق تبعث على التفاؤل الحذر، لكنها أبدأ لا تحملنا على التهاون. فالطريق الحكيم لبنك مصر يبدأ ببناء ملف وقائعى وتنظيمى متكامل يرد على كل ادعاء بصورة فنية لا سياسية. ويتعيّن على الملف أن يتضمّن تحديد العمليات والعملاء والوسطاء محل الاهتمام، وفحص المستندات وسلاسل المستفيد الحقيقى، ومراجعة إجراءات «اعرف عميلك» ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإدارة المخاطر..وتحديد ما إذا كانت هناك ثغرات فعلية فى الرقابة أو مجرد معاملات مشروعة لم تُفسَّر بالقدر الكافى. والأهم ألا يتحول الرد إلى سجال إعلامي؛ فالبنوك لا تدير أزماتها بالبيانات السياسية، بل بالامتثال والوثائق والتواصل المؤسسى والتدقيق المستقل. وكلما كان الرد الفنى أكثر تفصيلًا وشفافية، كلما ازدادت فرص إقناع الجانب الأمريكى بأن المخاطر قابلة للإدارة.
أما البنك المركزى المصرى، فدوره فى تقديرى يجب أن يكون داعمًا ومنظمًا، مع الحفاظ على استقلالية إدارة بنك مصر لملفه. والأولوية هى إنشاء خلية تنسيق عالية المستوى تجمع البنك المركزى وبنك مصر والجهات الرقابية والقانونية ذات الصلة، مع قناة اتصال مباشرة مع الجانبين الأمريكى والإماراتى، إلى جانب مراجعة شاملة للمعاملات العابرة للحدود التى قد تقع فى نطاق الملاحظات الأمريكية، لا لمجرد الرد على الحالة الراهنة، بل لاستخلاص دروس تُطبَّق على القطاع المصرفى بأكمله.
وينبغى هنا تجنّب خطأين محتملين: التصعيد الإعلامى غير الضرورى الذى قد يحوّل ملفًا مصرفيًا قابلًا للإدارة إلى أزمة ثنائية، والدفاع الإنكارى المطلق الذى يوحى بأن مصر لا ترى مجالًا للتحسين فى منظومة الامتثال. فالرسالة المصرية الأقوى يجب أن تتضمّن: احتراماً تاماً لقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعزماً على التعامل بجدية مع أية ملاحظات فنية، مع المطالبة فى المقابل بأدلة محددة وإجراءات عادلة وتمييزًا واضحًا بين فرع بعينه ومؤسسة تمتد عملياتها إلى عدة دول.
وعلى بنك مصر أن يستبق أى أثر محتمل على شبكة البنوك المراسلة، عبر تنويعها وتعزيز الإفصاح والشفافية، ورفع كفاءة أنظمة المراقبة الآلية للمعاملات، وتوثيق المستفيد الحقيقى، وإجراء اختبارات مستقلة دورية للامتثال؛ وهى إجراءات لا ينبغى انتظار القرار النهائى لاتخاذها.
وفى المقابل، فإن ربط الأزمة بالتقارب المصرى الصينى أو بعضوية بريكس لا يخدم مصر فى شىء، بل قد يُضعف الموقف المهنى الذى ينبغى أن تتبناه مؤسساتها. فثمة سياسة معلنة وحادة للولايات المتحدة تجاه شبكات التمويل الإيرانية؛ إذ حذّرت FinCEN فى ٢٠٢٥ من نشاط «الصيرفة الموازية» الإيرانية عبر شركات واجهة فى عدة دول من بينها الإمارات، وأصدرت فى مايو ٢٠٢٦ تحذيرًا مماثلًا بشأن شبكات مرتبطة بالحرس الثورى الإيرانى. فالإجراء محل الأزمة يأتى فى سياق تحذيرات وعقوبات قائمة بالفعل، ولا حاجة لاختراع مبرر سياسى له!.
ففى الأزمات المصرفية الدولية، لا يعد الهدوء ضعفًا، ولا يعكس الامتثال تنازلًا عن السيادة، والتفاوض المهنى ليس خضوعًا. ومناط القوة الحقيقية يكمن فى معرفة موقفك بوضوح، وما تستطيع إثباته، وما ينبغى إصلاحه، وأن تمنع أزمة فرع مصرفى فى الخارج من التحوّل إلى أزمة ثقة تخص مصرفاً أو نظامًا مصرفيًا برمّته.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة