بيان توفيق الحكيم وما حوله.. لماذا كانت الحرب محتمة؟
Backملخص الخبر
- أكد توفيق الحكيم في بيان عام 1973 على ضرورة الصدق في عرض الحقائق وحرية الرأي والمناقشة قبل الحرب.
- وقد وقع على بيان الحكيم كبار المثقفين مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض.
- عكست الأوضاع في مصر قبل حرب أكتوبر 1973 أن الحرب كانت محتمة لتجنب الانفجار الداخلي.
- أشار النص إلى أن جيل الحرب كان من خريجي الجامعات الذين واجهوا تداعيات سياسات الانفتاح والتطبيع لاحقاً.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
عند مطلع عام (1973) تبدت في مصر أحوال غضب على تأخر قرار الحرب، كان كل شيء يتحرك فيها يدعو إلى إزالة آثار العدوان بقوة السلاح.
لم يكن ممكنا تأجيل قرار الحرب بذريعة أو أخرى.
تحركت في جامعة القاهرة انتفاضة طلابية جديدة، انتقلت بأجوائها إلى الجامعات المصرية الأخرى تحت نفس المطالب: تهيئة الجبهة الداخلية للحرب وتوسيع المشاركة في صنع القرار ورفض أية مشروعات تسوية سياسية.
في تلك الأجواء حدث تطور دراماتيكي هز أركان الحكم، واستدعى تساؤلات جوهرية حول المعركة والمشاركة السياسية وحرية الفكر والنقاش العام.
بصورة لا تناسب شخصيته الحذرة كتب الأديب الكبير “توفيق الحكيم” متأثراً بحركة الشبان بياناً تمت صياغته على عجل، كأنه سحب ورقة من على مكتبه وضع عليها ما يفكر فيه.. “.. لما كان الشباب هو الجزء الحساس في الأمة، وهو الذي يعنيه المستقبل أكثر من غيره، فهو لا يرى أمامه إلا الغد الكئيب، فهو يجتهد في دراسته ليحصل على شهاداته النهائية فإذا هي شهادة القذف به في رمال الجبهة لينسى ما تعلمه، ولا يجد عدواً يقاتله، وهذا أيضاً هو الضياع.
أما بقية المواطنين فهم يعيشون بالنسبة إليه في حياة صعبة سيئة الخدمات العامة.
وكل نقص وإهمال أو توقف أو عبث يختفي خلف صوت المعركة، وفي انتظار المعركة وتمحكاً بالمعركة، وإذا بالأمر في نظرهم ينقلب إلى مهزلة وإلى سخط.
هذا بعض ما استقر في الضمائر هذه الأيام، ولا بد من حل سريع لهذا الوضع، ولا يمكن أن يكون هناك حل إلا في الصدق، والصدق وحده لأن الصدق هو الذي يُنهي الحيرة ويقنع الناس ويهدئ النفوس، ولأن الغليان في باطن الإناء يهدأ إذا كشفت الغطاء، الشعب يريد أن يقتنع بشيء لأنه غير مقتنع، ولا بد لراحة باله واقتناعه من عرض حقائق الموقف أمامه واضحة.
وهذا يقتضي النظر في تغيير بعض الإجراءات، التي تسير عليها الدولة اليوم، ومنها حرية الرأي والفكر وحرية المناقشة والعرض لإلقاء الضوء على كل شيء حتى تتضح الرؤية.
وليكن ذلك داخل المؤسسات، إذا كانت السرية في ظروفنا الحاضرة تقتضي بذلك، على ألا يكون للدولة رأي مسبق تضغط به على أهل الرأي، ويجعلهم مجرد أبواق لترديده وترويجه، بل أن تكون الدولة آخر من يبدي الرأي بعد أن تستمع وهي جادة صادقة إلى رأي مصر الحرة أولا، وأن تصوغ هي رأيها من رأي الشعب، وممثليه، لا أن تصوغ هي الرأي وتضع الشعار وتلقي به إلى الناس وتفرضه عليهم فرضا.
آن للدولة في هذه الظروف العصيبة أن تتخفف هي من كل العبء والمسؤولية وتضعها على كاهل الأمة.
إن في ذلك مصلحتها، وصيانة لها أمام التاريخ”.
بحجم ثقله وتأثيره وقّع معه على هذا البيان كُتابٌ ومثقفون كبار من بينهم “نجيب محفوظ” و”يوسف إدريس” والدكتور “لويس عوض”.
وجد بيان كبار المثقفين طريقه إلى النشر في صحيفة “الأنوار” اللبنانية.
كان النشر بالخارج رسالة سلبية لمستوى حرية التعبير في مصر، الذي ضاق عن نشر بيان وقّعت عليه نخبتها الثقافية- كما استخلص الدكتور “غالي شكري” في كتابه “الثورة المضادة في مصر”.
يعكس البيان الصورة التي كانت عليها مصر قبل حرب أكتوبر مباشرة.
لم يكن ممكنا إرجاء قرار الحرب لوقت إضافي، كانت الحرب محتمة وإلا فإنه الانفجار الداخلي.
هذه حقيقة ينبغي عدم تجاهلها في أية قراءة لحرب أكتوبر (1973)، أن الشعب المصري كله، هو صاحب قرار الحرب.
أفضل ما قيل في وصف بطولات أكتوبر أن الإنسان المصري العادي هو بطل الحرب.
غير أن بطل أكتوبر لم يكن من ناحية تدقيق المعاني والألفاظ إنسانا عاديا، بل جيلا كاملا صهرته تجربة القتال، وصاغت منه تجربة فريدة.
الفارق واضح بين نسبة النصر إلى الإنسان العادي المجرد، أو إلى صفات إيجابية مطلقة في الشخصية المصرية، وبين نسبته إلى جيل بعينه، وإلى وعي بعينه، وإلى بنى ثقافية وسياسية ونفسية بعينها.
إنه الفارق بين المطلق والتاريخ.
أغلب الذين قاتلوا في (1973) بعد ست سنوات في الخنادق، أو في معسكرات التدريب، أو في مهمات قتالية أثناء حرب الاستنزاف، من خريجي الجامعات المصرية، الذين أتاحت مجانية التعليم الفرصة أمامهم لاكتساب معارف العصر.
جيل الحرب هو نفسه جيل الثورة ومجانية التعليم والحق في الثروة الوطنية.
فرضت ضرورات تحديث القوات المسلحة في أعقاب الهزيمة دفع جيل بأكمله من خريجي الجامعات إلى صفوف القتال، للتعامل مع أحدث التقنيات العسكرية في ذلك الوقت.
المأساوي في قصة هذا الجيل أنه أرجأ طموحاته وحياته إلى ما بعد انتهاء الحرب، غير أنه عندما عاد من ميادين القتال، وجد أن ما قاتل من أجله قد تبدد، وأن عليه دفع ثمن سياسات الانفتاح الاقتصادي التي دشنت عام (1974) من مستقبله الاجتماعي والإنساني.
ثم أن يرى بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب سياسات التطبيع مع العدو الذي انتظر طويلا في الخنادق أن يواجهه.
لم تعد إسرائيل عدونا التاريخي.
“هذا كذب.. أنا لا أعرف من أنتم، ولا من أين أتيتم.. إن ما أعرفه جيدا أن هذا البيت بيتي، وأن واجهته خمسون مترا بالتمام، وإذا كنت لم أفكر في إعادة قياسه منذ زمن بعيد، فذلك لثقتي بأن الأرض لا يمكن أن تضمر بفعل الزمن”.
كانت تلك نبوءة مبكرة في منتصف السبعينيات تضمنتها مسرحية “محمود دياب” “الغرباء لا يشربون القهوة”، عن حجم ما سوف يحدث من تجريف لأي معانٍ حاربت من أجلها مصر.
في نبوءة ثانية استبقت الصلح والتطبيع مع إسرائيل أعلن استحالته بمسرحيته “أرض لا تنبت الزهور”.
لم يكن “السادات” قد زار الكنيست ولا وقعت اتفاقية “كامب ديفيد”.
“إن الحب لا يقحم على قلوب الناس بزواج ملك من ملكة.. خذها حكمة من الزباء ولا تنسها أن أرضا ارتوت بالدم لا تنبت زهرة حب”.
لم يكن يتنبأ بما قد يحدث من فراغ، حيث بدأت بعض المواقف والكتابات تدعو إلى تسوية ما تنهي الصراع الدامي وتدين السياسات التحررية التي اتبعتها مصر في أوقات سابقة.
<p>The post بيان توفيق الحكيم وما حوله.. لماذا كانت الحرب محتمة؟ first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360