بيسنت يخفض عوائد السندات الأميركية ويضع “الفيدرالي” تحت ضغوط جديدة
كثف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت جهوده لاحتواء ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، عبر توسيع برنامج إعادة شراء الديون الحكومية، في خطوة هدفت إلى تهدئة اضطرابات سوق السندات لكنها أثارت تساؤلات بشأن تأثيرها على جهود الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية الأربعاء رفع الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل من ملياري دولار إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار.
ترامب يعلن “حرباً اقتصادية” على إيران ويتوعد داعميها بعواقب هائلة
وساهم القرار في وقف موجة بيع حادة دفعت العوائد إلى مستويات أثارت قلق الأسواق، وسط مخاوف من انعكاسها على تكاليف الاقتراض للأسر والشركات والحكومة الأميركية، وفقاً لما ذكرته شبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
ورغم محدودية حجم البرنامج مقارنة بإجمالي الدين القائم، اعتبر كثير من المستثمرين الخطوة دليلاً إضافياً على سعي بيسنت المستمر لخفض عوائد سندات الخزانة، ولا سيما السندات القياسية لأجل عشر سنوات.
وحذر اقتصاديون ومتعاملون في سوق السندات من أن هذه السياسة قد تحمل آثاراً جانبية غير مرغوبة، من بينها زيادة الضغوط التضخمية وجعل تكلفة خدمة الدين العام الأميركي البالغة 32.2 تريليون دولار أكثر حساسية لأي زيادات مستقبلية في أسعار الفائدة.
وقال كبير الاقتصاديين لدى RSM US، جوزيف بروسويلاس، إن الضغوط السياسية قد تدفع نحو مطالبة البنك المركزي بدعم الأهداف المالية للحكومة، وهو ما قد يشوه إشارات السوق ويعقد مهمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش.
دعم السيولة أم التلاعب بمنحنى العائد؟
استهدفت عمليات إعادة الشراء رسمياً تحسين السيولة في السندات الأقل تداولاً، خصوصاً السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً. وتتمثل الفكرة في سحب بعض الإصدارات القديمة من السوق لإفساح المجال أمام المؤسسات المالية للاحتفاظ بإصدارات أحدث وأكثر سيولة، ما قد يخفف الضغوط على العوائد.
وأشار خبراء إلى أن وزارة الخزانة لا تتبع برنامج تيسير كمي على غرار الاحتياطي الفيدرالي، إذ لا تمتلك القدرة على طباعة الأموال، بل يتعين عليها تمويل عمليات إعادة الشراء عبر إصدارات جديدة من أدوات الدين.
لكن الجدل يتركز حول توقعات السوق بأن تستبدل الوزارة السندات طويلة الأجل بأذون خزانة قصيرة الأجل، وهو ما ينظر إليه باعتباره محاولة للتأثير في شكل منحنى العائد وخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.
انعكاس سريع على الأسواق
عكست الأسواق أثر القرار فوراً، إذ تراجعت عوائد السندات بعد الإعلان. وكان العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات قد ارتفع بنحو 70 نقطة أساس منذ اندلاع الحرب مع إيران، مسجلاً 4.74% قبل أن يتراجع إلى نحو 4.65% بنهاية جلسة الأربعاء.
كما ارتفعت معدلات الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى نحو 6.75% خلال موجة صعود العوائد الأخيرة، ما زاد المخاوف بشأن تكاليف التمويل في الاقتصاد الأميركي.
تناقض مع انتقادات سابقة لجانيت يلين
جاءت الخطوة بعد إجراءات أخرى اتخذها بيسنت خلال الأشهر الأخيرة وساهمت في الحد من ارتفاع العوائد طويلة الأجل. ففي يوليو، استخدم أموال الخزانة لدعم الين الياباني، كما دعا الاحتياطي الفيدرالي إلى توسيع آلية تسمح لليابان بالحصول على سيولة مقابل حيازاتها من سندات الخزانة بدلاً من بيعها.
وفي 5 أغسطس، أعلنت الوزارة اعتزامها الاستمرار في الاعتماد بصورة أكبر على التمويل قصير الأجل مقارنة بالاتجاهات التاريخية طويلة المدى، رغم أن لجنة استشارات الاقتراض التابعة للخزانة أوصت بالإبقاء على حصة أذون الخزانة قرب 20% من إجمالي الديون القائمة، مقابل 22.2% حالياً.
وتعد هذه السياسات لافتة لأن بيسنت نفسه كان قد انتقد في عام 2024 وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب اتباع النهج ذاته، معتبراً آنذاك أن زيادة إصدار الأذون قصيرة الأجل تمثل تدخلاً لدعم الأسواق وخفض كلفة تمويل العجز الحكومي.
مخاطر على التضخم وخدمة الدين
أثار التحول نحو الديون قصيرة الأجل مخاوف من زيادة حساسية المالية العامة لتحركات أسعار الفائدة. فكلما ارتفعت حصة الديون قصيرة الأجل، أصبحت الحكومة أكثر عرضة لارتفاع تكاليف الاقتراض إذا قرر الاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة مستقبلاً.
وبحسب مكتب الميزانية في الكونغرس، بلغت مدفوعات الفائدة الصافية للحكومة الفيدرالية 963 مليار دولار خلال أول 10 أشهر من السنة المالية 2026، وهو ما يمثل نحو 15% من إجمالي الإنفاق الحكومي.
وحذر مدير المحافظ لدى “ويلينغتون مانجمنت” بريج خورانا من أن إبقاء العوائد طويلة الأجل منخفضة قد يدعم النشاط الاقتصادي ويزيد مخاطر استمرار التضخم، ما قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
كما ساهمت إجراءات بيسنت في تراجع الدولار بنحو 0.8% مقابل سلة من العملات الرئيسية، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية من خلال رفع تكلفة الواردات.
وارش بين إشارات السوق وضغوط الخزانة
وجد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً. فبينما أكد في مؤتمره الصحفي الأخير قلقه من استمرار التضخم فوق مستهدف البنك المركزي البالغ 2%، فإنه أشار أيضاً إلى أن ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل ساعد في تشديد الأوضاع المالية دون الحاجة إلى رفع الفائدة.
لكن محللين يرون أن تدخلات وزارة الخزانة للحد من ارتفاع العوائد قد تحجب الإشارات التي يعتمد عليها الفيدرالي في تقييم الأوضاع الاقتصادية، ما يزيد احتمالات وقوع أخطاء في السياسة النقدية.
ومن المنتظر أن تتجه الأنظار إلى كلمة وارش في ندوة جاكسون هول السنوية الأسبوع المقبل، حيث يتوقع المستثمرون إشارات أوضح بشأن موقف البنك المركزي من التضخم والعوائد، في وقت تتزايد فيه الضغوط لمواءمة السياسة النقدية مع توجهات وزارة الخزانة الأميركية.
المصدر: العربية – اقتصاد





