تخدعنا المصطلحات!
في آب/أغسطس عام 1979 أصدرت سلسلة “عالم المعرفة” كتاباً بعنوان “التفكير السليم والتفكير الأعوج”. في ذلك الكتاب ملاحظة من مترجمه، اللغوي الكبير حسن سعيد الكرمي، الذي عرفه الملايين من خلال برنامجه الإذاعي الشهير في إذاعة “بي بي سي” العربية “قول على قول”. كان صاحب حسٍّ لغوي رفيع، وضليعاً بالعربية.
لفت نظري قوله، في المقدمة التي كتبها بما معناه: إن اللغة العربية، على ما فيها من ثراء وجزالة واتساع، تعاني نقصاً نسبياً في ضبط عدد من المصطلحات الحديثة التي نشأت في بيئات ثقافية مختلفة، مما يجعل المتلقّي ملتبساً في فهم النص.
لم أفهم كلامه آنذاك على أنه انتقاص من العربية، ولا أراه اليوم كذلك؛ فاللغات جميعها تتأثر بالتحولات العلمية والسياسية والفكرية، وبعض اللغات تبتكر مصطلحات تستخدمها في تفسير المعاني، ثم تنتقل تلك المصطلحات إلى لغات أخرى، فتبدأ معاناة المترجم في البحث عن المقابل الأقرب ويضيع على المتلقّي المعنى الدقيق.
أستعيد هذه الملاحظة كلما تابعت النقاشات السياسية في وسائل الإعلام، حول قضايانا العامة، خصوصاً السياسية. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في نقص الكلمات، بل في استعمال المصطلحات استعمالاً دقيقاً، حتى تتحول الكلمة إلى غطاء يخفي الحقيقة، بدلاً من أن يكشفها. أو يحدث الاختلاف بين المستخدمين، لأنهم لم يتفقوا على معنى المصطلح. لذلك، كثيراً ما يلجأ إلى “مذكرة تفسيرية” تحدد معنى المصطلحات، إلا في الكتابة أو الحديث في وسائل الإعلام، فلا يوجد وقت أو متسع ل”مذكرة تفسيرية” فتقال المصطلحات جزافاً.
أضرب أمثلة مما يشغلني في هذا الموضوع، وما يحدث في الأسابيع الأخيرة، ومع احتدام التوترات والحروب في المنطقة، وتعرّض بعض دولها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فأنت تصغي إلى ما يقوله متحدث يطلّ على الشاشة مثلاً، فتسمع أنه يطلق حكماً سياسياً كبيراً في جملة واحدة، ثم تكتشف أن المصطلح الذي استخدمه لا ينطبق على الواقع. ولكن المتلقي يقبله لأنه قادم من “خبير” أو المفروض كذلك!
قال أحدهم قبل أيام إن “الحكومة الإيرانية منتخبة ديموقراطياً”. توقفت عند العبارة أكثر من توقّفي عند صاحبها. فالسؤال ليس: هل تُجرى انتخابات في إيران؟ بل: هل يكفي وجود انتخابات، حتى نصف النظام بأنه ديموقراطي؟
في تفكيك التجربة الإيرانية الحالية، لا يستطيع أيّ مواطن أن يرشّح نفسه كما يشاء، ولا يصل إلى المنافسة الرئاسية أو البرلمانية إلا بعد المرور عبر منظومة رقابية قاسية، تحدّد من يحقّ له الترشح ومن لا يحق له ذلك، حتى لو كان في بعض الأوقات من “عظام الرقبة” كما حدث باستبعاد علي لاريجاني من انتخابات رئاسية سابقة. كانت عملية الاختيار (الانتقاء) تبدأ، قبل أن يبدأ الاقتراع؛ فهل يصبح صندوق الانتخاب وحده دليلاً كافياً على وجود “ديموقراطية” ولو نسبية، بالمعنى المتعارف عليه؟
الأمر الذي لم يلتفت إليه المتحدث أن أياً من رؤساء الجمهورية السابقين ليس مطلق الحرية في بلده، فجميعهم تحت “الإقامة الجبرية”، ولا يسمح لأحد منهم بالسفر إلى الخارج! كما لا توجد أية ضمانات قانونية في المحاكمات السياسية!
الأمر نفسه ينطبق على نقاش آخر سمعناه أخيراً من بعض الأشقاء العراقيين الذين قالوا بفخر إن العراق يعيش ديموقراطية لا توجد في غيره! وهنا أيضاً أرى أن المشكلة ليست في النوايا، بل في عدم دقة استخدام المصطلح.
هل الديموقراطية هي مجرد انتخابات دورية أم أنها منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، والمحاسبة، وتداول السلطة، وحرية الإعلام، وحماية المال العام؟ والأهم أن يتاح الترشيح للكافة، وهدفها تحقيق مصالح أكبر قدر من الناس. إذا غابت هذه العناصر، فما قيمة صندوق الاقتراع إذا كان يفضي إلى احتكار النفوذ، وتمرير صفقات الفساد، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإفقار المواطنين، والدخول في حروب عبثية؟
قد تنتج الانتخابات سلطة، لكنها لا تنتج بالضرورة حكماً رشيداً. الفرق كبير بين الوسيلة والغاية؛ ولذلك، فإن استعمال كلمة “الديموقراطية” لوصف أي نظام يجري انتخابات فقط يشبه إطلاق اسم البحر على بقعة ماء خلفها المطر في الصحراء!
هذه ليست القضية الوحيدة. في خطابنا السياسي والإعلامي، عشرات المصطلحات التي نستعملها من غير تدقيق. نتحدث عن “المقاومة”، و”الشرعية”، و”السيادة”، و”الدولة”، و”الميليشيا”، وكأن الجميع يقصد المعنى نفسه، بينما يحمل كل مصطلح منها حمولة قانونية وسياسية وتاريخية ولغوية مختلفة.
وعندما تختلط المفاهيم، يختلط الحكم على الوقائع. الحديث مثلاً عن “ميليشيات” غير الحديث عن “عصابات مسلحة ومأجورة”، والحديث عن “حزب الله” أو “أنصار الله”، وهي عناوين خرجت عن مضمونها، استخدام مضلل للمعنى! لهذا السبب، لا يكفي أن يمتلك الإعلامي صوتاً جميلاً أو حضوراً جيداً أمام الكاميرا. الإعلام مسؤولية قبل أن يكون وسيلة للتأثير. والمشاهد أو القارئ يستحق أن تقدم إليه المصطلحات بعد تمحيص، لا أن تتحول إلى شعارات تتكرّر حتى تفقد معناها.
ربما كان حسن سعيد الكرمي يتحدّث قبل ما يقارب نصف القرن عن معاناة مترجم مع كتاب، لكنه لفت الانتباه إلى قضية أوسع كثيراً. فالأمم لا تتقدم فقط لأنها تملك الكلمات، بل لأنها تعرف ماذا تقصد بهذه الكلمات…
آخر الكلام: إذا لم يكن المصطلح دقيقاً، ضاع المعنى، وتاه المتلقي!
نقلاً عن “النهار”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)