ترامب بين حل الأزمة وخلط الأوراق
سلمان الشريدة
في السياسة، قد تنجح الصفقات أحياناً في تقريب المسافات، لكن الخلط بين الملفات المتباينة قد ينتج أزمة أكبر من الأزمة الأصلية. وهذا ما يثير الاستغراب في الطرح الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين ربط بين حل الأزمة مع إيران وبين الدفع نحو مسارات تطبيع عربية مع إسرائيل، وكأن الملفات كلها قابلة للمقايضة ضمن “صفقة كبرى” واحدة، رغم اختلاف طبيعتها وتعقيداتها وحساسياتها السياسية والشعبية.
الملف الإيراني بالنسبة لدول الخليج والعرب يرتبط أولاً بأمن المنطقة، وحماية الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، ومنع الانزلاق نحو حرب شاملة قد يدفع الجميع ثمنها.
أما ملف السلام مع إسرائيل، فهو مرتبط تاريخياً وسياسياً بالقضية الفلسطينية، وقيام دولة فلسطينية وفق مسار واضح وعادل يحفظ الحقوق ويحقق الحد الأدنى من الاستقرار المقبول شعبياً وسياسياً.
ولهذا بدا التصريح الأمريكي وكأنه يتعامل مع الملفات بمنطق “المكافأة السياسية”، أي أن نجاح التفاهم مع إيران يجب أن يقابله انضمام دول عربية لاتفاقيات أبراهام، بينما الواقع يقول إن العاصمتين الخليجية والعربية تنظران للملفين بشكل منفصل تماماً، لأن لكل ملف حساباته وأولوياته وخطوطه الحمراء.
التأكيد السعودي الذي نقلته شبكة CNN يعكس هذه الحقيقة بوضوح؛ فالمملكة أعادت التأكيد على موقفها الثابت بأن أي تطبيع مرتبط بوجود “مسار لا رجعة فيه” نحو إقامة دولة فلسطينية.
وهذه ليست مجرد صياغة دبلوماسية، بل رسالة سياسية تؤكد أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى عبر تجاوز القضية الفلسطينية أو القفز فوق جذور الصراع.
وفي المقابل، فإن الدور العربي والخليجي في المحادثات الأمريكية الإيرانية بات أكثر وضوحاً وتأثيراً من أي وقت مضى. تصريح وزير الخارجية الأمريكي بأن التقدم الذي تحقق خلال الساعات الـ48 الماضية جاء “بالتعاون مع دول الخليج” يعكس إدراك واشنطن أن أي تفاهم مع إيران لا يمكن أن ينجح دون مراعاة هواجس الخليج الأمنية ومصالحه الاستراتيجية.
كما أن الحديث عن فتح مضيق هرمز “دون رسوم” يحمل دلالات مهمة، أبرزها رفض تحويل الممرات الدولية إلى أدوات ضغط أو ابتزاز سياسي، والتأكيد على أن أمن الملاحة جزء من الأمن العالمي وليس ورقة تفاوضية بيد أي طرف.
ومن هنا يمكن فهم الخطوط الحمراء الخليجية والعربية بوضوح: لا إغلاق لهرمز، لا تهديد للملاحة، لا استهداف للمنشآت المدنية والاقتصادية، لا تجاهل لأمن دول الخليج، وفي الوقت ذاته لا تجاوز للقضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً مستقلاً له شروطه ومساراته السياسية المختلفة.
المشكلة في الطرح الأمريكي ليست في السعي للسلام، بل في محاولة دمج ملفات شديدة التعقيد داخل سلة تفاوضية واحدة. فحل الأزمة مع إيران يحتاج ترتيبات أمنية واستراتيجية دقيقة، بينما السلام العربي الإسرائيلي يحتاج معالجة سياسية وتاريخية مختلفة تماماً.
لذلك يبدو أن المنطقة اليوم أقرب إلى إعادة ترتيب الأولويات لا إلى القبول بصفقات شاملة عابرة للتعقيدات. فالعواصم الخليجية والعربية تدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بخلط الأوراق، بل بفهم الفوارق بين الملفات واحترام حساسياتها وحدودها السياسية.
تم نشر هذه المقالة ترامب بين حل الأزمة وخلط الأوراق للمرة الأولي علي صحيفة الوئام.
المصدر: الوئام