ترامب والشرق الأوسط
يصعب قراءة دونالد ترامب بالطريقة التقليدية التي نقرأ بها الرؤساء الأميركيين. فهو رجل صفقات يؤمن بالقوة، ولا يتردد في استخدامها عندما يرى أن الردع يحتاج إليها، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول القوة الأميركية إلى التزام بحروب مفتوحة بلا نهاية. هذه العقيدة تفسر كثيراً من مواقفه في الشرق الأوسط، وتفسر أيضاً لماذا استطاعت السعودية، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بناء علاقة مختلفة معه.
في تقديري، فهمت الرياض شخصية ترامب مبكراً، وتعاملت معه كرئيس يريد نتائج ملموسة، ويبحث عن شراكات تحقق مصالح متبادلة. ولذلك اتسعت العلاقة السعودية الأميركية من الأمن والدفاع إلى الاستثمار والطاقة النووية والتكنولوجيا، وأصبحت الملفات الإقليمية جزءاً من هذه الشراكة الأوسع.
على سبيل المثال، الاتفاق النووي المدني. ففي يوليو 2026، وقعت واشنطن والرياض اتفاقاً للتعاون النووي المدني يضع أساساً لشراكة طويلة الأمد في مجال الطاقة النووية. وبالنسبة للسعودية، تتجاوز أهمية البرنامج إنتاج الكهرباء؛ فهو جزء من استراتيجية تنويع مصادر الطاقة وخفض استهلاك النفط محلياً، بما يتيح توجيه كميات أكبر منه إلى التصدير والصناعات ذات القيمة المضافة، ويوفر في الوقت نفسه مصدراً مستقراً للطاقة يدعم التوسع الصناعي والتقني والاقتصادي للمملكة.
واللافت هنا هو المقارنة مع إدارة جو بايدن، فقد كانت إدارة بايدن تتعامل مع المطالب السعودية المتعلقة بالضمانات الأمنية والتعاون النووي ضمن حزمة أوسع، كان التطبيع السعودي الإسرائيلي أحد عناصرها الرئيسية. أما ترامب، فتعامل مع هذه الملفات بدرجة أكبر من الفصل، وفتح أمام الرياض مسارات مباشرة للتعاون مع واشنطن.
الأمر نفسه ينطبق على مقاتلات إف-35. موافقة واشنطن على صفقة بقيمة 24.3 مليار دولار تشمل 48 مقاتلة للسعودية تمثل نقلة مهمة في التعاون الدفاعي بين البلدين. وهنا لا أتحدث عن طائرة متطورة فقط. الحديث في جوهره عن مستوى الثقة الاستراتيجية بين دولتين. فامتلاك السعودية لهذه القدرة العسكرية المتقدمة، والتي تغير موازين القوى في المنطقة، يعني توسيع هامش الردع لديها، ويعكس رغبة أميركية في بناء شراكة دفاعية أكثر عمقاً.
سوريا الجديدة وملفها الشائك ، من وجهة نظر الرياض، سوريا المستقرة والقوية مصلحة عربية، لأن الدولة السورية عندما تستعيد عافيتها السياسية والاقتصادية تستطيع العودة إلى دورها الطبيعي داخل النظام العربي، بدلاً من ترك فراغ تستفيد منه القوى الإقليمية، وخاصة إيران. ولهذا كان الضغط السعودي على ترامب لرفع العقوبات عن سوريا ذا أهمية تتجاوز دمشق. وفي مايو 2025، أعلن ترامب من الرياض قراره رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بعد مناقشة الأمر مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
وفي المقابل، اتخذ ترامب مساره الخاص تجاه إيران، انطلاقاً من قناعته بأن الضغط يجب أن يتركز على مركز القوة في طهران، مع تجنب استنزاف القوات الأميركية في مواجهة وكلائها الإقليميين. وظهر هذا النهج في ولايته الأولى بقتل قاسم سليماني، ثم في ولايته الثانية بالمشاركة في ضرب المنشآت النووية الإيرانية، إلى جانب الحرب الكبرى التي شنها ضد النظام الإيراني متوعداً بإسقاطه.
ومن هنا يمكن فهم موقف ترامب من اليمن؛ ففي 15 مارس 2025، أطلق حملة الفارس الخشن ضد الحوثيين، واستهدفت أكثر من 800 هدف حتى 27 أبريل، قبل أن تنتهي في 6 مايو باتفاق وقف إطلاق النار بوساطة عُمانية، أعلن فيه الحوثيون توقفهم عن استهداف السفن الأميركية. ويعكس ذلك نهجه في استخدام القوة لتحقيق أهداف محددة، مع تجنب حرب مفتوحة مع الوكلاء.
ماذا عن التردد الأخير في اليمن؟ في رأيي، لا يمكن فهمه بعيداً عن الداخل الأميركي. ترامب يواجه خصوماً ديمقراطيين أقوياء يترصدون أي حرب جديدة يمكن استخدامها سياسياً ضده، كما يواجه ضغوطاً من تيار “أمريكا أولاً” داخل حركته السياسية، وهو تيار يرفض التورط في حروب خارجية طويلة ويريد أن تركز واشنطن مواردها على المصالح الأميركية المباشرة. ثم هناك الحساب الانتخابي. ترامب، الذي دخل البيت الأبيض متعهداً بعدم إعادة الولايات المتحدة إلى نموذج “الحروب التي لا تنتهي”، يعرف أن فتح جبهة يمنية جديدة بعد المواجهة الصعبة مع إيران سيمنح خصومه فرصة لاتهامه بالتناقض مع أحد أهم وعوده السياسية.
لذلك لا أرى التردد الحالي في اليمن تخلياً عن أمن المنطقة. واشنطن تساعد الرياض في الدفاع عن نفسها، وتواصل دعمها العسكري والاستخباراتي، لكنها تترك للسعودية مساحة أكبر في إدارة المواجهة المباشرة مع إمكانية ترجيح التدخل بشكل مباشر ، وهو نهج استخدمته مع حليفتها الوثيقة إسرائيل في مواجهة حزب الله.
وكانت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو واضحة يوم أمس على فوكس نيوز قائلاً: “لدينا اتفاق دفاعي مع السعودية. ننوي الوفاء بالتزاماتنا بموجبه. نعمل لنرى إن كان بالإمكان إصلاح الوضع، لكن في النهاية، إذا وصل الأمر إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة ستقف دائماً إلى جانب السعودية وتدعمها”.
والحقيقة أن العلاقة الإستراتيجية بين الجانبين ممتدة منذ عقود. الوجود الأميركي والتحالفات التي تقودها واشنطن مع السعودية أسهمت في منع التنظيمات والقوى المتطرفة من فرض سيطرة أوسع على المنطقة. هذه المظلة الأمنية ساعدت في توفير البيئة التي سمحت لدول الخليج بالانتقال من إدارة الأزمات إلى التركيز على التنمية والتحول الاقتصادي. وهناك سؤال يتم تداوله اليوم في المنطقة هل ترامب حليف مثالي؟ لكني أرى أن السؤال الأهم هو كيفية التعامل مع رئيس مثل ترامب؟ حتى الآن السعودية نجحت بامتياز.
المصدر: العربية – سياسة





