ترامب ودوره.. نهاية العصر الأمريكي!
لم يعد ممكنا أي حديث عن قوة أمريكية منفردة على المقادير الدولية.
الإمبراطورية الأمريكية المهيمنة تكاد أن تغادر مسارح التاريخ الفعلي.
مستقبل القوة الأمريكية يدخل في عمق التحولات الكبرى المحتملة بأثر الإخفاق الفادح في تحقيق أيا من أهدافها الاستراتيجية بالحرب على إيران.
الإخفاق بذاته يثبت مجددا أنه بوسع الدول المحسوبة على العالم الثالث أن تفرض كلمتها دفاعا عن وجودها ومصالحها إذا امتلكت إرادتها السياسية، كما فعلت مصر تماما في حرب السويس (1956).
لم تكن الضربة الإيرانية أول تحد للإمبراطورية الأمريكية في صورتها وهيبتها وأوزانها.
إنها الضربة الرابعة في غضون سنوات قليلة.
كانت الضربة الأولى، أزمة جائحة “كوفيد- 19″، التي أدارها الرئيس “دونالد ترامب” في ولايته الأولى على نحو كارثي، قوض أي احترام، أو ثقة، بالقوة الأمريكية.
كانت الضربة الثانية، الحرب الأوكرانية، التي اندفع إليها الرئيس السابق “جو بايدن” دون تحسب للعواقب الوخيمة على الأمن والسلم العالميين.
تبدت في الضربة الثالثة، حرب الإبادة والتجويع في غزة المحاصرة حقيقة التورط الأمريكي بجرائمها ووحشيتها حيث وفرت لقوة العدوان الحماية الاستراتيجية الكاملة بعد السابع من أكتوبر (2023) ومنعت أي حساب.
في حملته الانتخابية للعودة مجددا إلى البيت الأبيض تعهد “ترامب” بإنهاء الحرب الأوكرانية وإعادة الأمن، لكنه فشل في إيجاد مخرج سياسي من المستنقع الإوكراني، ودعم أكثر من سلفه مشروع إسرائيل الكبرى، متورطا في الحرب على إيران دون مصلحة أمريكية واحدة.
الضربات الأربع هزت مكانة الولايات المتحدة في عالمها وبين حلفائها وتكاد أن ترسم ملامح نهاية الإمبراطورية الأمريكية قطبا وحيدا مهيمنا على النظام الدولي.
من مفارقات التواريخ أن “ترامب” ولد في (14) يونيو (1946)، قبل ثمانين عاما- بالضبط- في ذروة صعود الدور الأمريكي على منصات القوى الدولية إثر الحرب العالمية الثانية.
بعد تلك الحرب، التي امتدت بين عامي (1939) و(1945)، تصارع على النفوذ قطبان عظميان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فيما يعرف بـ”الحرب الباردة”، التي انتهت بانهيار جدار برلين وتقوض حلف “وارسو”- الذي كان يقابل حلف “الناتو” على الجانب الآخر.
عند انهيار جدار برلين تجاورت فكرتان متناقضتان عند مطلع تسعينيات القرن الماضي.
الأولى- إن “نهاية التاريخ” قد حلت وأن الليبرالية الغربية سوف تفرض منطقها وهيمنتها على العالم بأسره، والقرن الحادي والعشرين سوف يكون كما سابقه أمريكيا.
والثانية- إن مستقبلا مماثلا لما حدث للاتحاد السوفيتي من تصدع وانهيار سوف تتعرض له القوة الأمريكية وظل السؤال معلقا: متى؟
في سنوات القيادة الأمريكية المنفردة استبيحت دول وقضايا، هنا في العالم العربي أكثر من غيره، غير أن الاستباحة امتدت إلى روسيا نفسها، وريثة الاتحاد السوفيتي، جرى الاستهتار بها على نحو فادح والتنكر لكل الالتزامات التي قطعها الغرب على نفسه مقابل إعادة توحيد الألمانيتين.
استُدرِج الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” للدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة حتى تكون مستنقعا يستنزف موسكو ويمنع بحقائق القوة أية فرصة لتحالف ممكن مع التنين الصيني الصاعد والحذر بالوقت نفسه.
لم ينجح ذلك السيناريو بالصورة، التي جرى الرهان عليها.
روسيا الحالية ليست الاتحاد السوفيتي السابق.
العالم اختلف تماما وجذريا عما كان عليه عقب الحرب العالمية الأولى.
منطق الثورة السوفيتية يختلف تماما وجذريا عن منطق الدولة الحالية أيديولوجيا وفكريا وسياسيا.
أوكرانيا لم تعد على ذات الوضع، الذي كانت عليه في تلك الحقبة البعيدة عند اندلاع الثورة البلشيفية عام (1917).
لكل عصر حساباته وتوازناته.
من دواعي غضب “بوتين” أن الغرب لم يتقبل دمج روسيا بعد نهاية الحرب الباردة في منظوماته، أن تكون عضوا عاملا في الاتحاد الأوروبي، رغم تخليها عن عقيدتها الماركسية، ولا تقبل انضمامها إلى حلف “الناتو”، الذي يوصف بالادعاء أنه “قوة محبة للسلام” رغم جرائم الحرب البشعة التي ارتكبها في يوغسلافيا السابقة وأفغانستان والعراق وليبيا.
رغم كل التحولات في بنية النظام الدولي، ظلت روسيا عدوا ماثلا في الاستراتيجيات الغربية حتى وصلنا إلى الصدام المفتوح.
على مدى طويل نسبيا طُرحت دعوات لإصلاح النظام الدولي، أو إعادة بنائه من جديد، جرى إجهاضها تباعا، حتى داهمت عالمنا المضطرب على التوالي الأزمات الكاشفة المتتالية.
في أزمة الـ”كوفيد”، طُرحت الأسئلة الكبرى على خلفية رائحة الموت في الشوارع ومشاهد الجثث التي تُنقل في حافلات إلى مقابر جماعية، أو يجري إحراقها خشية انتشار الوباء.
كان أكثر الأسئلة إلحاحا، لماذا تقاعست الولايات المتحدة عن الوفاء بأية أدوار قيادية، أو تضامنية، في مواجهة تفشي الوباء، لا مدت يد العون إلى الحليف الأوروبي، ولا حاولت أن تخفف من معاناة الشعوب والدول الأكثر فقرا.
اهتزت صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، كما لم يحدث منذ نهاية الحرب الباردة.
لم تكن منظومتها الصحية على قدر قوتها الاقتصادية والعسكرية ولا بدا أداؤها السياسي داعيا إلى شيء من الاحترام.
تركت الحلفاء الأوروبيين وحدهم تقريبا في مواجهة الموت، فضلا عن دول العالم الثالث الأكثر انكشافا أمام ضربات الجائحة.
كان أداء “ترامب” بولايته الأولى مزريا في إفاداته الصحفية اليومية، صب هجومه على الصين وأطلق على الوباء “الفيروس الصيني” دون أن يبدي اهتماما يذكر بمقاومته، شكك في منظمة الصحة العالمية ولوح بالخروج منها ووقف تمويلها في وقت جائحة، وهو ما فعله تاليا.
ساد خطابه شعار “أمريكا أولا” في توزيع اللقاحات، كأنه تخل معلن عن أية مسئولية سياسية وأخلاقية.
هكذا طرح السؤال نفسه بين الحلفاء الغربيين: بأية صفة تطلب الولايات المتحدة القيادة المنفردة، أو أن تطلب فتطاع؟!
كان ذلك لافتا في وقته وحينه أن هناك شيئا جوهريا يتفاعل في بنية النظام الدولي.
عند كل منعطف يضع مصير العالم بين قوسين كبيرين تتأكد أهمية البحث عن قواعد جديدة أكثر عدلا واستقرارا في العلاقات الدولية.
بقوة الحقائق لا الافتراضات فإننا الآن أمام تحول جوهري في العلاقات الدولية يستعيد ثنائية قطبية جديدة، أمريكا والصين، هذه المرة.
انكسار القوة الأمريكية في الاختبار الإيراني يؤشر على حقائق جديدة، أهمها تراجع مشروع إسرائيل الكبرى.
باليقين فإن إسرائيل هي الخاسر الأكبر في الحرب على إيران، لكن التخاذل العربي المفرط قد يمكنها من إعادة طرح مشروعها التوسعي بزخم أمريكي جديد لسد الفجوات بين الحليفين، التي ترتبت على مذكرة التفاهم مع إيران.
أسوأ ما يحدث الآن أن العالم يتغير ونحن على مقاعد المتفرجين ننتظر ما تفعله المقادير بمصائرنا.
<p>The post ترامب ودوره.. نهاية العصر الأمريكي! first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360


