ترينداتنا وترينداتهم!
الشعوب الآن تعرف بترينداتها، قل لى بماذا تهتم السوشيال ميديا عندك، وأنا أقول لك من أنت، تصدمنى فى هذه الأيام تريندات السوشيال ميديا المصرية، التى صارت تمجد وتنفخ فى التفاهات، مما خلق انقلاباً فى الأولويات، بشكل عجيب ومريب، ولن أخوض فى تفاصيل التريندات التى نعيشها، فنحن جميعاً نستيقظ كل يوم على تريند أكثر تفاهة وضجيجاً من سابقه، سنقرأ بعيداً عن البيانات الرسمية، لكى تظهر اهتمامات الناس كما هى، ما يخيفهم، وما يثير فضولهم، وما يضحكهم، وأحياناً ما يستهلك وقتهم بلا قيمة.
لذلك سأحاول عمل تجربة لمقارنة بين التريندات فى مصر من ناحية، والصين واليابان من ناحية أخرى، قد تبدو صادمة أحياناً، لكن من الخطأ اختزالها فى مانشيت إدانة لنا وتمجيد لهم، فالمسألة أكثر تعقيداً، فالتريند تصنعه الثقافة، وطبيعة المنصات، والخوارزميات، والإعلام، وحتى طريقة استخدام الجمهور للإنترنت، فى مصر، كثيراً ما تتصدر السوشيال ميديا حكايات المشاهير من زواج وطلاق، خلاف بين فنانين، تصريح مثير، فستان فى مهرجان، مشادة أمام الكاميرا، أو مقطع فيديو يتحول صاحبه خلال ساعات إلى شخصية يعرفها الملايين.
والمفارقة أن القضية قد تبدأ صغيرة للغاية، ثم تتضخم لأن المواقع والبرامج تعيد نشرها، فيتحول «التريند» نفسه إلى خبر، ثم يتحول الخبر إلى وقود جديد للتريند، لكن عندما ننظر إلى الصين مثلاً، نجد إلى جوار الترفيه والمشاهير موضوعات تتصل بالحياة اليومية والاقتصاد والتكنولوجيا والصحة والخدمات، مثلاً، آخر تريند صينى، أثارت قضية عودة شركات السيارات إلى الأزرار التقليدية بدلاً من الاعتماد الكامل على شاشات اللمس نقاشاً واسعاً، إلى جانب موضوعات عن الطقس والصحة ونماذج جديدة للإنتاج الصناعى.
وهذا لا يعنى أن الإنترنت الصينى خالٍ من النميمة والترفيه، فالمشاهير والدراما حاضران بقوة أيضاً، وفى اليابان تظهر الصورة مختلفة مرة أخرى، الأحداث الطبيعية، مثل الزلازل والتحذيرات المرتبطة بها، تستطيع أن تهيمن فوراً على النقاش العام، جنباً إلى جنب مع قضايا الذاكرة الوطنية والثقافة الشعبية والمانغا القصص المصورة اليابانية، والأنمى الرسوم المتحركة، أى إن القائمة نفسها قد تجمع بين زلزال حقيقى يقلق الملايين وشخصية خيالية يحتفل عشاقها بعيد ميلادها.
وهنا تكمن النقطة الأهم: ليست المشكلة فى وجود الترفيه على السوشيال ميديا، فالإنسان يحتاج إلى الضحك والتسلية أينما كان، المشكلة تبدأ عندما يبتلع الترفيه كل شىء آخر، ويسيطر ويتوغل، مثلما يحدث عندنا، حين يصبح السؤال عن طلاق فنان أكثر حضوراً من سؤال عن التعليم، وحين نعرف تفاصيل مشاجرة أحد المشاهير ولا نعرف شيئاً عن ابتكار علمى خرج من جامعة مصرية، فنحن أمام خلل لا فى السوشيال ميديا وحدها، بل فى اقتصاد الانتباه.
فالخوارزمية لا تسأل: ما الأكثر فائدة للمجتمع؟ بل تسأل غالباً: ما الذى سيجعل المستخدم يضغط ويعلق ويبقى أمام الشاشة؟، لذلك ربما يكون السؤال الذى يستحق أن نطرحه ليس: لماذا ترينداتهم جادة وترينداتنا تافهة؟ بل: لماذا نمنح نحن بعض الموضوعات التافهة كل هذه القوة؟ فالتريند فى النهاية لا يولد عملاقاً، نحن الذين نطعمه ونسمنه بالنقرات حتى يكبر ويتضخم ويتعملق.
نقلاً عن الوطن
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)