تطوير التعليم بين المعلم وسوق العمل والأكاديمية العسكرية والتبرعات
الخميس الماضي عُقدت بالعاصمة الإدارية جلسة حوارية حول “جهود تطوير التعليم.. رؤية للحاضر وآفاق المستقبل”.
دعا إلى هذه الجلسة كل من وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، ووزير الدولة للإعلام، وحضرها نحو 30 شخصاً من المتخصصين في هذا الملف.
ولأن الوقت لم يُسعف كاتب هذه السطور لتلبية دعوة الحضور، فقد بات من المهم التعقيب على العرض التقديمي الذي تقدم به وزير التعليم، وأُرسل لي.
لا شك لدى الكثيرين ونحن على أعتاب عام دراسي جديد، أن الموضوع المثار مهم للغاية، لكونه يمس التنمية البشرية في واحد من أهم قطاعاتها، خاصة وأن بمصر اليوم نحو 35 مليون طالب مدرسي وجامعي، ما يُشكل مجموع سكان عدة دول في المنطقة العربية.
إيجابيات يتحتم التأكيد عليها
المؤكد، أن هناك إنجازات تعليمية تحققت، وأخرى وُعد بتحقيقها كمستهدف للحكومة في السنوات القليلة القادمة.
واحد من أبرز تلك الإنجازات هو الاهتمام بإلزام المدارس الدولية بتدريس “الهوية القومية”، بحيث لا يكون وجود تلك المدارس بمثابة دولة داخل الدولة.
بعبارة أخرى، تتابع الوزارة مسألة حتمية الرقابة على تلك المدارس في المناهج، حتى لا تبتعد عن التنسيق العام وعن فلسفة المناهج التعليمية على أرض مصر.
الأمر الثاني، هو التأكيد على ضرورة تحقيق زيادة ملحوظة في السنوات القليلة القادمة، فيما يخص عدد مدارس التكنولوجيا التطبيقية من 62 عام 24/2025 إلى 200 عام 2030، وكذلك المدارس اليابانية من 51 إلى 100 مدرسة خلال نفس الفترة.
الأمر الثالث، هو اعتماد مناهج البكالوريا وفقاً لنظام البكالوريا الدولية، حيث تم توقيع اتفاقية تعاون مع مؤسسة البكالوريا الدولية في هذا الصدد، لمراجعة الأطر التربوية ومنهجيات التقييم.
ضعف راتب المعلم مشكلة يتجاهلها وزير التعليم
لكن تلك النظرة الوردية التي رسمها وزير التعليم يبدو الواقع المعاش أنه يناقضها من زوايا أخرى.
فالمعلم هو العنصر البشري الثاني في العملية التعليمية المؤلفة من ستة عناصر هي: الطالب والمدرس والإدارة والمنهج والمبنى والتقييم.
هنا يأتي برنامج الوزير خلال الجلسة والتي تحدث فيه عن تطوير رواتب المدرسين.
الوزير تحدث عن رفع الرواتب، فبدلاً من أنها كانت تتراوح ما بين 5700 حتى 10300 جنيه، وفقاً لدرجة المدرس من معلم إلى كبير معلمين، مروراً بالدرجات الأولى والثانية والثالثة، أصبحت اليوم تتراوح ما بين 9000 إلى 14700 جنيه. بالطبع الوزير يعتقد أنه اخترق حاجز الصوت برفع الرواتب لهذا الحد.
لكن ما لا يعرفه هو أن الدولة سبق لها أن حددت زيادة موازنة التعليم قبل الجامعي في الموازنة العامة للدولة إلى 4% من الناتج القومي الإجمالي، تزداد تدريجياً وفقاً للمعدلات العالمية.
هذا الأمر الدستوري رغم مرور عقد ونيف على سنه لم يُفعل إلى اليوم، ولو كان قد فُعل لما بقيت تلك المستويات الرثة من أجور المعلمين.
هنا من المهم الإشارة إلى تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول رواتب المعلمين في بعض الدول المتقدمة وغير المتقدمة.
فدولة كلوكسمبورج هي الأكبر عالمياً، ويصل راتب المعلم فيها إلى 71.6 ألف دولار سنوياً، وفي دول أخرى متوسطة الدخل كسلوفاكيا والمجر ينخفض الراتب إلى 16 ألف دولار سنوياً، أي ما يربو على 60 ألف جنيه شهرياً.
أعداد المعلمين مؤشر سلبي مصري آخر
بالانتقال إلى أعداد المعلمين نجد أن تلك الأعداد تتسم بالانخفاض المستمر.
فوفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي (OECD) فإن معدل عدد المدرسين بالنسبة لعدد الطلاب هو مدرس لكل 14 طالباً.
لا شك أن هذا العدد يرتفع في بلدان إفريقيا وجنوب آسيا ليصل إلى مدرس لكل ما يتراوح بين 24- 40 طالباً.
ما يهمنا هنا هو مصر التي يصل متوسط هذا المعدل إلى مدرس لكل 33 طالباً، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي يتحدث عن أن محافظة الجيزة هي الأسوأ، إذ يصل المعدل إلى معلم لكل 43 طالباً.
لا شك أن أسوأ ما يمكن أن يُذكر هنا هو ما أُعلن عنه هذا العام، من أن الدولة تستهدف تقليل أعداد خريجي الكليات الاجتماعية كالتربية والآداب.
ما يمكن أن يُقال هنا هو أن تلك السياسة ستُفضي إلى مشكلات لا حصر لها، فأعداد المعلمين شحيحة للغاية، والإدارات المدرسية تقوم باستجلاب أشخاص من غير المتخصصين للعمل كمدرسين بنظام الحصة، ما يجعل السياسة السابقة فضيحة، ليس فقط للحاجة إلى المدرسين، بل لأنها تقلل من الأمور الباعثة إلى زيادة الوعي الأدبي في مجالات التأليف والشعر والتاريخ واللغة العربية والصحافة والفنون وغيرها من تخصصات.
المعلمون متدربون في الأكاديمية العسكرية!!
ثالث الهموم التي أتى بها وزير التعليم دون دراية منه هو تدريب المعلمين.
لا شك أن التدريب هو واحد من أهم العناصر التي تستهدف زيادة وعي الطالب. فالمعلم المتدرب تدريباً جيداً، يستطيع أن يخترق ذهن الطالب بشكل سريع وفعال وفي مدى زمني مناسب.
هنا من المهم الإشارة إلى أن وزير التعليم قد ذكر أن هناك برنامجاً لتدريب وتأهيل المعلمين بالتعاون مع جامعة هارفارد البريطانية، وهيروشيما اليابانية، والأكاديمية العسكرية المصرية.
لا شك أن الجهتين الأولى والثانية لا غبار عليهما، لكونهما جهتين تربويتين متخصصتين.
لكن تبدو المشكلة في الجهة الثالثة، والتي لم يتضح كيف سيستفيد المعلم منها. فالتعليم العسكري المرتبط بطاعة الأوامر وتنفيذ التعليمات مفيد للغاية للعسكريين، وغيره لا يصلح لهم على الإطلاق.
وبالمقابل التعليم المدني مهم للغاية للمدنيين، لكونه يربيهم على النقاش والجدال والبعد عن التلقين. الصفات السابقة لا شك أنها تأتي بمعلم ملقن، يطلب طاعة أوامره، يرفض النقاش، يمنع الطلاب من الاطلاع على المراجع ووجهات النظر البديلة.
لذلك من غير الملائم أن تتدخل الأكاديمية في تدريب المعلمين خاصة، وتدريب كل ما هو مدني عامة كأئمة المساجد والدبلوماسيين والقضاة.. إلخ.
التبرعات الجبرية لأولياء الأمور
رابع الهموم التي تحدث عنها الوزير هو ما أسماه “الحالة العامة للمدارس” وفيها تحدث عن هدف نبيل وهو التوسع في إنشاء مدارس جديدة بمختلف المحافظات، بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للمنظومة التعليمية، ومواجهة الزيادة في أعداد الطلاب، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر احتياجاً.
لكن ما كان مثيراً للجدل هو أن الوزير تحدث في هذا الصدد عن تطوير أعمال دهان المدارس والفصول، بما يسهم في تحسين البيئة التعليمية، وذكر أن الإنجاز هنا وصل إلى 90%.
كما ذكر أنه قد تم التوسع في توفير الديسكات المدرسية اللازمة بإجمالي يصل إلى 500 ألف ديسك سنوياً.
هنا من المهم الإشارة إلى أن كافة المدارس العامة على مستوى مصر، وبشهادة أولياء الأمور، تُلزم إدارة المدرسة التلاميذ الجدد بالتبرعات للمدرسة رغماً عنهم. هنا يتم التبرع بالمال الذي قد يصل إلى عدة آلاف من الجنيهات، وربما التبرع بآلات وأدوات كالدهان والمراوح ووسائل الكتابة وغيرها.
بالطبع ربما يعلم الوزير هذا الأمر، وهنا تبدو المصيبة الكبرى، لكن المصيبة الأكبر أن يكون الوزير لا يعلم.
ما العمل؟
لا شك أن الإمكانات هي أصعب الأمور التي بيدها أغلب الحلول للمشكلات السابقة، بل أن هناك مشكلات أخرى سكت عنها الوزير كالدروس الخصوصية، والتسرب، والإتاحة، والأمية التعليمية والأمية المقنعة.. إلخ، وكلها مشكلات مهمة مرتبطة بزيادة المباني، وبرواتب المدرسين، وتجهيز المدارس بوسائل التعليم والترفيه، ووسائل التقويم وأمانه.
كل ما سبق يستحق منا أن نُفعل مواد الدستور المتعلقة بالإنفاق على التعليم بكافة أنواعه وعلى البحث العلمي.
فالتنمية البشرية ضرورة لبناء وعي الأمم، وبها ترتقي الشعوب، وتُقَيم على سلم التطوير والتقدم.
<p>The post تطوير التعليم بين المعلم وسوق العمل والأكاديمية العسكرية والتبرعات first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360





