تعيش حرة مستقرة
للدول المستقرة كلمة، ورأيٌّ قاطع، وموقف محدد. تطرحه وتقترحه بكل حرية… وأريحية، فتصبح مطلوبة.
في مطلع القرن العشرين كانت الجماهير أيام الاستعمار تخرج إلى الشوارع تحفر في المسامع نداءات تقول «عاشت حرة مستقلة». لم يكُ واضحاً ما إذا كان الاستقرار حاضراً في وعي الجماهير، غداة خروجها، بوصفه شرطاً أساسياً من شروط تعزيز الاستقلال.
بعض من خرج يطلب الاستقلال، عاد باستقلال أجوف، إذ رُهِنَت بلاده ووقعت تحت نير تبعية معسكرات آيديولوجية وثورية، جعلتها ساحة فوضى واضطراب، ودولة غير مستقرة… غير مطلوبة.
اليوم، في القرن الحادي والعشرين، يتجلى ساطعاً أن الاستقرار آية من آيات الاستقلال؛ فلا استقلال بغير استقرار يتعزز بالنماء، ويُصان بالازدهار، ويحقق للمجتمع الرفاه والأمان.
انظر إلى ما يتجنّب ضجيج الشعارات ويتسرّب إلى مسامات السياسة بهدوء تام، حين يصدر عن الدول الحرة المستقرة آراء ومواقف تجسّد استقلالها، بناءً على تقديرات دقيقة ومرئيات مباشرة تراعي المصالح المشتركة بين الجميع.
في هذا السياق الناضج، تبرز دول الخليج العربية والأردن… فمنها من يتوسط بين أطراف الصراع كافّة، ومَن ينقل الرسائل ويسعى جاهداً إلى تخفيف التوتر، ومن يفرج عن رهائن وأسرى، ومن يدفع أضراراً كبيرة ويجلب منافع أكبر، ومن يتصدى لشرِّ مختلف الألوان ومتنوع الأشكال ومتعدد الوجهات، ومن يطفئ النار بقوة الحكمة.
لا نندهش حين نعلم أن رجاحةَ الرأي كانت فحوى الاتصال المباشر في الثاني من أغسطس (آب) الحالي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يفضّل الاتفاق وخفض التصعيد من أجل استقرار المنطقة، على حربٍ قد تتسع إلى نطاق المجهول. ثم يخرج الرئيس ترمب يقول ذلك… لعل وعسى ألا يفاجئ العالم بفعل غير ذلك!
ومن يعرف مصر، التي تعرضت لهزة أرضية فجر الثالث من أغسطس الحالي، فلن يستغرب أنها لم تكشف بعد عن مصدر الطيران المسيّر الذي أصاب سفينتين وسط ميناء دمياط، قبل أيام. هذا التحوّط المصري لا يبدر عن عجز، إنما هو دلالة اقتدار على احتواء المواقف، وتجنّب الوقوع في شَرَك الاستدراج لأي تصعيد يفجر الموقف ويلبي أغراض من يتأبط شراً… أياً كان!
غريبٌ أمر أولئك الذين يتأبطون شراً ويريدونها حرباً؛ كأن العالم غير مكتفٍ بحروب روسيا وأوكرانيا ونيران إيران، وغزة، وجنوب لبنان، وصراع السودان، أو أنه يتطلّع إلى أكثر مما يدور وسط مجاهل أفريقيا، ويتهدد اليمن ويتربص بالملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عُمان، فيزداد مضيقا هرمز وباب المندب ضيقاً.
خلاصة القول: إن الدول الحرة المستقرة مقصد وموضع ثقة الجميع. وبنبرة هادئة وبكلمة واحدة ولسان واحد ونهج واحد، تُجيب من يحرص على العلاقات معها ويتودّد إليها، وتشير إلى وجوب إعادة النظر فيما تحتاج إليه المنطقة ويتطلبه العالم. ولا ترجح خيار الاستقرار فحسب، بل تحاول سد ذرائع الاضطراب، بكل ما في وسعها.
صيف هذا العام لا تنقصه الحرارة، وخير ما يبرد الأجواء، الإسهام في تخفيف الحدة وخفض التصعيد… مع استمرار تأكيد الاستقلال بصون الاستقرار ومواصلة الازدهار، لتعيش كل دولة حرة مستقرة يُطلب رأيها ويُؤخذ به.
*نقلا عن “الشرق الأوسط“
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)