تفاقم التداعيات السلبية للهجرة
عرف التاريخ البشري دوماً ظاهرة الهجرة، وإنْ تغيّرت التفاعلات المرتبطة بها ما بين هجرة سلمية قامت بها مجموعات بشرية إلى أماكن قريبة أو بعيدة، بحثاً عن مقومات الحياة، وامتزج أفرادها بالسكان الأصليين، وأصبحوا عبر الزمن جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمعات التي هاجروا إليها، وهجرة استئصالية اصطدمت بهؤلاء السكان وفي بعض الحالات أبادتهم، أو أقامت نظاماً للتمييز ضدهم، وبعد ظهور مفهوم الدولة الوطنية ذات السيادة، بدأت الهجرات البشرية تخضع بدرجة أو بأخرى للتنظيم، وظهرت جوازات السفر وضرورة الحصول على تأشيرات تفيد موافقة سلطات الدولة المستقبِلة للهجرة على دخول المهاجرين إليها، فإذا لم يلتزموا بسياسات الدولة وضوابطها صارت هجرتهم غير شرعية، وتفشّى القلق والخوف منهم، مخافة أن تكون هناك أي تداعيات سلبية على أمن البلد المُسْتَقْبِل ورخائه، خاصة أن الهجرات تأتي عادة من البلاد الفقيرة أو شديدة الفقر إلى البلاد الغنية.
وأُضيف لهذا مؤخراً الهجرات الناجمة عن الاضطرابات السياسية الداخلية في عديد من البلدان، وهو ما أدى إلى أوضاع بالغة التردّي، ترتبت عليها موجات ضخمة من الهجرة ينظر لها المواطنون في البلدان المستقبِلة لهم باعتبارها تهديداً لأمنهم ورخائهم، كما حدث على سبيل المثال في تدفُّق المهاجرين السوريين لتركيا بعد بدء حركات المعارضة المسلحة ضد نظام الأسد، مما أثار ردود فعل واسعة في الداخل التركي، وفقاً لاعتبارات تتعلق بالأمن وفرص العمل، وأفضى أحياناً إلى صدامات داخل البلد المستقبِل، أو عواقب سياسية محتملة، كما استُخدم كورقة سياسية مثلما فعلت تركيا بالتهديد بفتح الأبواب للمهاجرين السوريين للتدفق نحو أوروبا.
وقد شهدت أواخر الشهر الماضي حدثاً لافتاً في هذا السياق اعتُبر نموذجاً على تفاقم التداعيات الناجمة عن ظاهرة الهجرة غير المنضبطة وغير الشرعية، وهو عبور أعداد غير مسبوقة قُدِّرت بنحو 60 ألفاً في أيام معدودة إلى سبتة بشكل أساسي ومليلية بدرجة محدودة، وتألفت موجات العبور من مواطنين مغاربة ومهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وجنسيات أخرى، وتعود مشكلة الهجرة بشكلها إلى سبتة ومليلية بشكلها المعاصر إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي مع دخول إسبانيا اتفاقية شنغن، وهي الخطوة التي حوّلت المدينتين من نقطتي عبور تجاري عادي إلى البوابة البرية الوحيدة المباشرة لدخول أوروبا، وبالتالي سبق أن حدثت محاولات اقتحام جماعي في عامي 2005 و2012.
وبطبيعة الحال اتخذت إسبانيا إجراءات احترازية بتطوير التحصينات التي تمنع اجتياز الحدود، لكن من الواضح أنها لم تكن كافية، وارتبطت الموجة الأخيرة تحديداً بصدور حكم قضائي من المحكمة العليا الإسبانية يقضي بعدم جواز الإعادة الفورية والمباشرة للاجئين، وأعقب صدور الحكم شائعات زعمت أن الحدود أصبحت مفتوحة بالكامل.
وقد اتخذت السلطات الإسبانية إجراءات حازمة وسريعة جمعت بين الاستنفار الأمني والعسكري والتحرك الدبلوماسي العاجل، ونظّمت مع السلطات المغربية عمليات إعادة فورية طوعية لقرابة 50 ألف مهاجر، وهو ما يمكن القول معه بأنها نجحت في إدارة الأزمة، غير أن الأحداث أشارت، دون شكٍّ، إلى خطورة المسألة وحساسيتها، لا بالنسبة لإسبانيا وحدها، وإنما للاتحاد الأوروبي ككل، بدليل أن إيطاليا سارعت بتعليق اتفاق شنجن مؤقتاً مع إسبانيا احتجاجاً على الأزمة، وهو ما جعلها تستدعي السفير الإيطالي لديها، ومن ثم فإن هذه الأحداث تحتاج معالجة جذرية دون شك.
*أستاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة
نقلاً عن “الاتحاد”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)