تقرير صندوق النقد.. كل خطط الحكومة الاقتصادية تستهدف سداد الديون
إذا أردت أن تعرف كيف تفكر الحكومة المصرية اقتصاديًا في الملفات، التي تمس حياتك، فلا تتابع كثيرًا ما يصدر عنها من بيانات أو ما يقوله المسئولون بالمؤتمرات الصحفية.. وجهتك ستكون تقارير المراجعة التي تصدر عن صندوق النقد الدولي، التي تتضمن تعهدات الحكومة التي لا يمكنها العدول عنها أو النكوص فيها.
يرتبط كل تقرير مراجعة للاقتصاد المصري بتحقيق الحكومة اشتراطات معينة للحصول على الشرائح التمويلية لصندوق النقد، وبالتالي، تقدم الحكومة رؤيتها بشكل واضح بعبارات اقتصادية محددة فالتمويل مشروط بالتنفيذ، ولا سبيل للالتفاف أو التزويق مع مؤسسة دولية كل هدفها هو ضمان سداد الدول المقترضة لديونها.
في تقرير المراجعة السابعة لصندوق النقد، الذي تم نشره على موقع الصندوق أخيرًا، يُتوقع ارتفاع التضخم العام إلى حوالي 17% بحلول الشهر المقبل سبتمبر 2026، مدفوعًا بارتفاع تكاليف المدخلات والمزيد من تعديلات أسعار الطاقة، وارتفاع سعر الصرف.
أبدت الحكومة المصرية ــ وفق الصندوق- استعدادها للتدخل مبكرًا لرفع أسعار البنزين والسولار حال عودة أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع، في خطوة تستهدف احتواء تكلفة دعم الطاقة والحفاظ على مسار استرداد تكلفة المنتجات البترولية، وكلمة مبكراً التي ركز عليها الصندوق، تعني أنها قد لا تنتظر حتى موعد اجتماع لجنة تسعير المنتجات البترولية المعتاد.
رفع أسعار الوقود
منذ تطبيق آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، التي تربط أسعار المحروقات بالأسعار العالمية، تم رفع سعر البنزين والسولار وأنابيب البوتاجاز 13 مرة وتثبيتها 11 مرة والخفض كان مرة واحدة بـ 25 قرشًا، ما يعني أنها رحلة اتجاه واحد فقط هو الرفع، لتتراوح نسبة زيادة المحروقات “البنزين والسولار” في آخر عقد ما بين 1081 و1915%.
يعتبر الصندوق الهيئة العامة للبترول المصدر الرئيسي للمخاطر المالية بالموازنة العامة، لأنها الأكثر تأثرا بالأحداث العالمية وتقلب أسعار الوقود، مؤكدًا أنها مثقلة بالديون، وتدفع فائدة كبيرة، تؤثر سلبًا على أدائها المالي، مما يخلق مخاطر محتملة على موزانة الدولة من خلال الإعانات أي القروض التي تحصل عليها، والضمانات المستقبلية (وزارة المالية تضمن الهيئة أمام المقرضين)، أو إعادة الرسملة (زيادة رأس المال).
خطة للتعامل مع الهيئة العامة للبترول
وفقًا للصندوق، فإن هناك خطة استدامة الهيئة المصرية العامة للبترول، والتي من المتوقع أن تقدم تقريرًا مرحليًا عنها بحلول نهاية سبتمبر المقبل، لبيان التقدم المحرز نحو تحقيقه، كاشًفا عن أن ديون الهيئة قد تطلب إعادة الرسملة أي تغيير بهيكل للهيئة بضخ أموال جديدة لتعديل نسبة الديون مقارنة برأسمالها.
تتضمن الخطة تحقيق فائض في التدفقات النقدية أو بمعنى أخر فائض بالسيولة التي تدخل خزينتها، وخفض الضمانات الحكومية بنسبة 25% بحلول السنة المالية 2026-2027 ما يعني بالتبعية خفض اقتراض الهيئة بالنسبة ذاتها، فضلاً عن تسريع تحصيل المستحقات من الجهات الرئيسية في قطاع الطاقة كوزارة الكهرباء، التي تعتبر أكبر مدين لهيئة البترول.
تعهدات بتقليص دور الدولة
تعهدت الحكومة بتسريع برنامج التخارج من الاستثمارات الحكومية (بيع حصص في شركات، أو أراضي) لكن الصندوق يقول إنها متأخرة في التطبيق، إذ كان متوقعًا أن يُدرّ تخارج الدولة عائدات بقيمة 8.7 مليارات دولار أمريكي منذ تطبيق البرنامج.
في نهاية السنة المالية 2023/2024، كان تقدّم برنامج التخارج أبطأ من المتوقع، بعائدات بلغت 2.2 مليار دولار، ولمعالجة هذا النقص، باعت السلطات المصرية أرضًا لدولة قطر مقابل 3.5 مليارات دولار، كما قال الصندوق نصًا، ليشكل بيع الأراضي للدوحة بالساحل الشمالي 0.9% من جهود خفض صافي القيمة الإجمالية للديون في السنة المالية 2025/2026.
توقع الصندوق تحصيل عائدات إضافية بقيمة 1.5 مليار دولار أمريكي – كانت مُدرجة في المراجعتين الخامسة والسادسة للسنة المالية 2025/2026 – في السنة المالية 2026/2027. وحال التزام السلطات بـتقليص دور الدولة، سيبلغ إجمالي العائدات المخصصة لخفض الدين خلال البرنامج حوالي 4.7 مليار دولار أمريكي، متجاوزًا التوقعات الأولية.
الصندوق قال إن الحكومة ستخصص 50% من عائدات بيع حصص بشركاتها لخفض الديون، مضيفًا أن الحكومة المصرية أجرت تحضيرات لمنح امتيازات إدارة 11 مطارًا للقطاع الخاص (أي نقل مسؤولية تشغيل وإدارة، وصيانة وتطوير المطارات إلى شركة من القطاع الخاص لمدة بين 10 و30 عامًا).
وفق الصندوق، تم إحراز تقدم مبدئي في إحدى المعاملات بدعم من مؤسسة التمويل الدولية، ما يعني طرح مطار أمام القطاع الخاص قريبًا، ورغم عدم تحديد ذلك المطار، إلا أن الأنظار تتجه لمطار الغردقة الذي يمثل المرحلة الأولى والاختبار الفعلي لبرنامج الطرح حيث تقترب الدولة من إسناد إدارته وتشغيله رسمياً؛ بهدف تطوير بنيته التحتية باستثمارات تُقدر بـ 100 مليون دولار.
بيع 20% من مصر للتأمين لصالح سد الديون
الصندوق تحدث عن بيع حصة 20% في شركة مصر للتأمين على الحياة وتحصيل عائداتها بحلول نهاية أغسطس الحالي، وتستحوذ على حصة سوقية من الأقساط تقدر بنحو 22% من سوق تأمينات الحياة في مصر وهي من أقوى الشركات في هذا المجال.
اختارت الدولة بنك الاستثمار “إي إف جي هيرميس مديراً لطرح نحو 20% من أسهم شركة مصر لتأمينات الحياة في البورصة المصرية، وبررت الحكومة الطرح بأنه يستهدف تحسين تنافسية الاقتصاد وتعزيز قدرته على جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.
لكن ما كشفه الصندوق هو تخصيص عائدات هذه الصفقة بالكامل لخفض الدين، وتشير التقديرات أن قيمة الطرح ستكون 14 مليار جنيه مصري ما يعادل 270.6 مليون دولار ستوجهها الحكومة كلها لصالح خفض الديون.
أنهت الحكومة مؤخرًا صفقة جبل الزيت، إلى جانب بيع وزارة المالية لأسهم في شركات مختارة مدرجة في البورصة، ليصل إجمالي عائدات التخارج إلى حوالي 520 مليون دولار، وتم توجيه جزء منها لسداد الديون أيضًا.
توسيع القاعدة الضريبية
وفقًا للصندوق، لم يتم استيفاء بعض المعايير الهيكلية المتعلقة باعتماد حزمة الضرائب للسنة المالية ٢٠٢٦/٢٠٢٧، ويقصد بذلك المعيار إقرار حزم تشريعية وإجرائية لتوسيع القاعدة الضريبية وزيادة الحصيلة، وتحسين الخدمات للممولين دون فرض أعباء إضافية.
المعايير الهيكلية هي: حزمة من التدابير والسياسات المصممة لتغيير البنية الأساسية لاقتصاد الدولة المقترضة بهدف إزالة التشوّهات وتعزيز النمو المستدام على المدى الطويل، وتركز على الإصلاحات المؤسسية والتشريعية والإدارية.
وفق مؤشر الأهداف الإرشادية وهي مؤشرات تهدف لقياس مدي تقدم الدولة، كان أداء الحكومة متفاوتًا، إذ حققت أربعة من 7، فالحكومة حققت الحد الأدنى للإنفاق الاجتماعي، وعدم تدخل البنك المركزي المصري في سوق الصرف الأجنبي، ووضع حد أقصى للاستثمار العام (استثمارات الحكومة لا تزيد على 1.5 تريليون جنيه)، وحد أقصى للتغير الصافي في الضمانات الحكومية (الضمانات التي تقدمها الجهات الحكومية للاقتراض).
أما الأهداف الإرشادية المتبقية، التي لم يتم تحقيقها، فتتعلق بشرط التضخم، حيث تجاوز التضخم السنوي في المناطق الحضرية الحد الأعلى للبرنامج في نهاية مارس ونهاية يونيو 2026، كما تجاوز سقف ديون قطاع الميزانية في نهاية ديسمبر، وهدف إصدار سندات الخزانة في نهاية يونيو (الصندوق وضع سقف لإصدارات المالية للسندات لم يتم تنفيذه).
بالنسبة للمعايير الهيكلية، تم استيفاء معيارين بمعالجة الثغرات المحددة في ممارسات إدارة المخاطر لدى البنك الأهلي المصري وبنك مصر مع الموظفين، وممارسات إدارات المخاطر هي إجراءات تهدف إلى تحديد قياس، مراقبة، والتحكم في المخاطر التي تواجه البنك لحماية أموال المودعين والمساهمين.
من ضمن المعايير التي تم تلبيتها تحميل التقارير الإشرافية المتعلقة بإدارة النقد الأجنبي على موقع البنك المركزي، ما يعزز الشفافية، وتحويل نظام التخليص الجمركي المسبق من إجراء اختياري إلى نظام إلزامي لجميع المستوردين قبل شحن البضائع إلى البلاد، الذي تم إقراره في يونيو الماضي (نظام هدفه عدم دخول أي بضاعة لمصر إلا بعد الموافقة وسداد الرسوم والضرائب قبل وصول الشحنات).
ووفقا للصندوق، يجري حاليا خفض رصيد قروض البنك المركزي لهيئات القطاع العام خارج وزارة المالية وتسريع سداد القروض للبنك المركزي بمقدار 100 مليار جنيه سنويًا، بهدف التخلص من الرصيد بحلول نهاية يونيو 2029 (أي أن الجهات الحكومية ستنتهي من سداد قروضها للبنك بحلول 2029).
مستقبل الدين العام
يتوقع الصندوق انخفاض الدين العام تدريجيًا من 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/ 2026 إلى أقل من 75% بحلول عام 2031، مدفوعًا بشكل رئيسي بالفائض الأولي المستدام (الفائض الأولي هو الفرق بين مصروفات الموازنة ومدفوعاتها دون حساب فوائد الديون).
يرى الصندوق أن إطالة آجال أذون الخزانة تخفض الاحتياجات التمويلية، بما يعادل 2.5% من الناتج المحلي، ويعني ذلك أن الحكومة ستعتمد على الاستدانة عبر أذون الخزانة، التي يحل موعد سدادها خلال عام وليس 91 يوما لتقليل حاجتها المستمرة للاقتراض.
يقول الصندوق إنه ينبغي أن تظل السياسة النقدية موجهة بديناميكيات التضخم المحلي، واتخاذ السلطات إجراءات حاسمة لضمان تقارب التضخم ضمن النطاق المستهدف 7 ± 2% خلال الفترة الزمنية الجديدة، موضحة أنه مع بقاء توقعات التضخم على المدى القصير عند 12% فهناك حاجة إلى زيادات بأسعار الفائدة، وتحقيق تلك المستهدفات بحلول ديسمبر 2027.
تظهر تقارير صندوق النقد الدولي، أن مجهودات الحكومة تنصب حاليا على أمر واحد فقط هو خدمة الدين والدائنين، فعوائد تخلي الدولة عن استثماراتها وشركاتها يذهب نصفه على الأقل لسداد الديون، ولا يتبقى إلا هامش طفيف لتحسين أحوال المواطن.
<p>The post تقرير صندوق النقد.. كل خطط الحكومة الاقتصادية تستهدف سداد الديون first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360





