تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2025 الحلقة 31 : رؤية واعدة لكن « عُقداً نسقية » يجب تجاوزها
« تقع المدرسة حالياً في صميم مشروع مجتمع بلدنا »، هذا ما كانت تذكره الرؤية الاستراتيجية 2015-2030. بعد عشر سنوات، يقدم تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول « المدرسة الجديدة: عقد اجتماعي جديد للتربية » تشخيصاً واقعياً دون مواربة: فعلى الرغم من المكاسب الملحوظة، لا تزال « عُقد نسقية » تعيق إرساء المدرسة الجديدة. وفي صميم هذه المعوقات، يبرز التنسيق متعدد المستويات ومشاركة الأطراف المعنية – المعيار 16.1 – ككاشف لقوة وضعف الإصلاح.
رؤية طموحة، تنفيذ غير مكتمل
وضعت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار 17-51 أسس مدرسة جديدة، منفتحة على محيطها وحاملة لكفايات الحياة. ويعيد تقرير المجلس الأعلى التأكيد بقوة على أن « التربية يجب أن تكون مشروعاً مجتمعياً ومنفعة عامة ». ويحدد التقرير سبع رهانات كبرى، ثلاث منها مرتبطة مباشرة بالمعيار 16.1: الاستقلالية التشاركية للمؤسسات، والمجتمع المحلي المنخرط، والهياكل المساندة الفعالة.
بعد خمس سنوات من اعتماد القانون الإطار، أين نحن اليوم؟ المعطيات المتاحة تقدم إضاءة دامغة.
يشكل برنامج « الثانويات الإعدادية الرائدة »، الذي أطلق في شتنبر 2024، المبادرة الأكثر رمزية في مجال الحياة المدرسية في السنوات الأخيرة. ففي سنة واحدة فقط، شمل المشروع 232 مؤسسة، واستفاد منه 200 ألف تلميذ. ونتائج التقييم « المستقل » مذهلة: انخفض الهدر المدرسي بنسبة 31% (لكن أقل من الانخفاض بنسبة 56% الذي تحقق بفضل برنامج « تيسير » سنة 2008 وفقاً لدراسة J-PAL)، وتضاعفت سرعة التقدم في التعلمات ثلاث مرات، وتحسنت رفاهية التلاميذ بنسبة 0.22 من الانحراف المعياري. في هذه الإعداديات، يشارك 66% من التلاميذ الآن في أنشطة الحياة المدرسية – وهي نسبة ملحوظة عندما نعلم أنه على المستوى الوطني، لا يستفيد سوى 25% من التلاميذ المغاربة من هذه الأنشطة.
واعتماداً على هذه النتائج، التي ينبغي أن يؤكدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، باعتباره الهيئة الوحيدة التي تتمتع بالشرعية القانونية للتقييم المستقل، وسعت الوزارة البرنامج ليشمل 786 مؤسسة، بتغطية تقارب 678 ألف تلميذ. لكن هذا التوسع السريع لا يجب أن يحجب الجوهر: فما يقارب 80% من الإعداديات العمومية لا تستفيد بعد من هذا البرنامج. وغالبية التلاميذ المغاربة لا تزال تدرس في نظام تظل فيه الأنشطة المدرسية غير الصفية استثناءً.
تعلمات تعجز عن تنمية الإبداع
يحتل المغرب، وفقاً لاستقصاء PISA 2022 الذي قاس لأول مرة التفكير الإبداعي لدى تلاميذ 15 سنة، مكاناً ضمن البلدان الخمسة الأضعف، إلى جانب ألبانيا وأوزبكستان والجمهورية الدومينيكية والفلبين. ويجد أكثر من ربع التلاميذ أن تعلم أشياء جديدة « ممل »، وأقل من النصف يصرحون بقدرتهم على اقتراح أفكار إبداعية لمشاريع مدرسية.
هذه الملاحظة مثيرة للقلق. فالإبداع، وروح المبادرة، والقدرة على الابتكار، هي بالضبط الكفايات التي تسعى الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار 17-51 إلى تنميتها. ويصر تقرير المجلس الأعلى بأن الأمر: « يتعلق بتغيير الأنموذج، والانتقال من بيداغوجيا تقوم على نقل المعرفة والحفظ إلى بيداغوجيا تستهدف الذكاء أكثر، وتفضي إلى تطوير كفايات مرتبطة بالمهارات التطبيقة والمهارات السلوكية ». ويظهر برنامج « الثانويات الإعدادية الرائدة » تأثيرات إيجابية على المناخ المدرسي والكفايات العاطفية والاجتماعية، لكن التأثير على الإبداع يظل محدوداً بالنسبة لمجموع التلاميذ (تأثير 0.05 من الانحراف المعياري غير دال إحصائياً)، باستثناء التلاميذ « المعرضين للخطر » (تأثير 0.28 من الانحراف المعياري).
شراكات قائمة لكن غير مهيكلة
تتعلق الركيزة الثالثة للمعيار 16.1 بالشراكات مع المقاولات والمنظمات الثقافية والفاعلين الاجتماعيين. وعلى هذا المستوى، حقق المغرب تقدماً ملحوظاً. فقد أبرمت وزارة التربية الوطنية العديد من الاتفاقيات مع قطاعات وزارية أخرى، ومؤسسات وطنية، ومنظمات المجتمع المدني. كما وقع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي اتفاقيات استراتيجية مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب ومع اليونيسيف.
لكن هنا أيضاً، تعاني هذه الشراكات أحيانا من غياب الرؤية والتوجيه الاستراتيجي. ويشير تقرير المجلس الأعلى إلى استمرار « عجز في التواصل المؤسساتي » و »غياب روابط بين الأطراف المختلفة ». كم عدد الشراكات؟ ما هي المجالات الترابية التي تغطيها؟ ما هي الفئات من التلاميذ المستفيدة؟ لا أحد يعرف ذلك بدقة. ويوصي المجلس الأعلى للحسابات نفسه بتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال التربية، مما يوحي بأن تطويرها لا يزال غير كاف.
تقدم أوروبا نماذج ملهمة. ففي النمسا، تجمع منصة « التربية على الحس المقاولاتي » 65 شريكاً. وفي فرنسا، يُعمل برنامج « مسار المستقبل » على تنظيم اللقاءات مع المهنيين بشكل منهجي. ويمكن للمغرب أن يستلهم منها لهيكلة شراكاته على المستوى الوطني، كما يدعو إلى ذلك تقرير المجلس الأعلى الذي ينادي بإرساء « شراكة دائمة بين المؤسسات التربوية والتكوينية والمقاولات الموجودة في محيطها ».
ثلاثة أحكام، خلاصة واحدة
في ضوء المعطيات المتاحة، فإن المعيار 16.1 « متحقق جزئياً » بالنسبة لمؤشرين من مؤشراته، و »غير متحقق » بالنسبة للمؤشر الثالث.
المؤشر 16.1.1 – عدد المتعلمين المشاركين في مشاريع تربوية وثقافية ومهنية – متحقق جزئياً: العروض موجودة وتتطور بسرعة في الثانويات الإعدادية الرائدة، لكنها لا تغطي بعد مجموع التلاميذ.
المؤشر 16.1.2 – نسبة رضا المتعلمين عن المشاريع والتجارب التي عاشوها – غير متحقق: تظهر معطيات PISA 2022 مستوى ضعيفاً جداً في التفكير الإبداعي، مما يشير إلى أن التجارب التي يعيشها التلاميذ لا تنمي هذه الكفاية الأساسية بما فيه الكفاية.
المؤشر 16.1.3 – عدد الشراكات مع المقاولات والمنظمات الثقافية والفاعلين الاجتماعيين – متحقق جزئياً: توجد شراكات وتتزايد، لكن هيكلتها وتوجيهها يظلان غير كافيين، مع غياب معطيات كمية ومرصد وطني.
توصيات لإصلاح مكتمل
لتحقيق المعيار 16.1 بالكامل، تفرض خمس أولويات نفسها.
أولاً، إنشاء مرصد وطني للأنشطة الموازية والمشاريع التربوية. إن جمع المعطيات أمر لا غنى عنه لتوجيه الإصلاح، وقياس التقدم، وتعديل السياسات، كما ينادي بذلك تقرير المجلس الأعلى الذي يدعو إلى إرساء « نظام وطني مندمج للمعلومات حول التربية والتكوين والبحث العلمي ».
ثانياً، إدراج التفكير الإبداعي في المناهج بشكل عرضاني. وهذا يستلزم مراجعة البرامج وتكويناً مكثفاً للأطر التربوية في البيداغوجيات النشيطة. ويصر تقرير المجلس الأعلى: « يجب الانتقال من منطق تعليمي متمركز حول المدرس إلى منطق يقوم على استجابة المتعلمين ويرتكز على تعزيز كفاياتهم الذاتية ».
ثالثاً، هيكلة الشراكات عبر منصة وطنية تجمع مختلف الفاعلين : الوزارات، والمقاولات، والجمعيات، والجماعات الترابية. ويمكن لهذه المنصة أن تستلهم النموذج النمساوي وتعمم فترات التدريب في المقاولات على مستوى الثانوي التأهيلي.
رابعاً، تعزيز التوجيه والتنسيق بين القطاعات الوزارية. إن القانون الإطار 17-51 وتقرير المجلس الأعلى يروجان لمقاربة مندمجة للتربية، « تقارب للسياسات العمومية » و »فتح للقطاعات المحكومة ». وحان الوقت لترجمة هذا المبدأ إلى واقع، عبر إحداث لجنة بين وزارية مخصصة لانفتاح المدرسة على محيطها.
ساعة الاختيار
يذكر تقرير المجلس الأعلى بقوة أن « النهضة التربوية المنشودة لا يمكن أن تكون نتيجة جهود قطاعية معزولة، بل تحتاج، على العكس من ذلك، إلى مبادرات منسقة والتزام جماعي ». وقد أظهرت « الثانويات الإعدادية الرائدة » أن إصلاحاً طموحاً ممكن، وأنه ينتج تأثيرات ملموسة على التعلمات ورفاهية التلاميذ.
لكن الإصلاح لا يزال غير مكتمل. فهو لا يستفيد منه بعد غالبية التلاميذ. ولا يزال إبداع الشباب المغربي غير متطور بالقدر الكافي، كما أن الشراكات تفتقر إلى الهيكلة. وتتسع الفجوة بين المؤسسات الرائدة وبقية النظام التربوي، مما يخلق تفاوتاً متزايداً مع مرور الوقت. ويحذر تقرير المجلس الأعلى من هذا الخطر: « إن اتساع فجوة التفاوتات المدرسية يجعل الفعل العمومي موضع شك، ويؤدي إلى نقد وإعادة تساؤل حول مجموع المنظومة التربوية ».
لقد حان وقت الاختيار. فإما أن يسرع المغرب في تعميم الإصلاحات التي أثبتت نجاحها، فيقدم لأبنائه جميعاً مدرسة منفتحة ومبدعة ومتصلة بمحيطها، وإما أن يدع المنظومة التربوية تتجزأ بين مؤسسات رائدة وما تبقى من التعليم العمومي الذي يواصل تراجعه.
كانت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 قد حددت المسار. وأعطاها القانون الإطار 17-51 وسائله التشريعية. وحدد تقرير المجلس الأعلى معوقاته وحلوله. ويبقى الانتقال من التجريب إلى التعميم، من النموذج التجريبي إلى المنظومة. إن 678 ألف تلميذ استفادوا بالفعل من الإصلاح في الإعدادي خير دليل على أن التغيير ممكن. أما المليون و800 ألف تلميذ الذين لا يزالون في انتظار دورهم، فهم يمثلون ضرورة الساعة.
لم تعد المدرسة الجديدة وعداً. إنها حقيقة في 786 مؤسسة. ويجب أن تصبح هي القاعدة للجميع.
المصدر: اليوم 24



