تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 11: المدرسة المغربيّة والمنهاج المنسيّ
يحبّ النظام التربوي المغربي أن يقدّم نفسه كمدرسة في طور تحوّل كامل. إصلاحات متعاقبة، أجهزة جديدة، برامج استعجاليّة: الخطاب الرسمي هو خطاب مدرسة تتحدّث. لكن ماذا عن قلب التعليم، عمّا يحدّد ما يتعلّمه التلاميذ وكيف يتعلّمونه؟ المنهاج، العمود الفقري لأيّ نظام تربوي، كان الغائب الأكبر عن الإصلاحات المغربيّة. فالمعيار الأول من المجال السادس، الذي يهتم بتقييم مدى تماسك المنهاج واكتساب الكفايات العرضيّة والمدنيّة والمقاولاتيّة ورضا الأساتذة وإشراك التلاميذ، هو « محقَّق جزئيّاً ». وهذا الحكم، رغم اعتداله الظاهر، يخفي واقعاً أكثر إثارة للقلق: لقد ضاعف المغرب الإصلاحات السطحيّة، لكنّ المنهاج الوطني، في المقابل، لم يُراجَع بشكل كلي منذ 2002. أربع وعشرون سنة من الإصلاحات دون مساس بالمنهاج. فمعطيات TALIS 2024 وPISA 2022، خاصّة تقييم التفكير الإبداعي غير المسبوق، تقدّم إضاءة دون مجاملة حول عواقب هذا الجمود.
مرجعيّات في طور الإنجاز: فشل اللجنة الدائمة
من أكثر المؤشّرات كشفاً لهذا التباعد هو وضع المرجعيّات البيداغوجيّة. لقد أنشأ القانون الإطار 51.17، في مادته 28، لجنة دائمة مكلّفة بتجديد وملاءمة المناهج والبرامج والتكوينات وبإرساء الإطار المرجعي للمناهج والدلائل المرجعيّة للبرامج. وكان من المفروض أن تكون هذه اللجنة محرّك إصلاح المناهج في المنظومة التربويّة المغربيّة. وقد صدر المرسوم رقم 2.20.473 في 8 سبتمبر 2021، محدّداً تركيبها ومهامّها.
لكن الواقع مختلف تماماً. لم تُنصَب اللجنة فعلياً إلا في 9 فبراير 2024، أي بعد ثلاث سنوات من صدور المرسوم، بتعيين السيد محمد الصغير جانجار رئيساً لها. فهذا التأخّر بثلاث سنوات هو بحدّ ذاته إشارة إنذار. وتفاقم الوضع أكثر: إذ قدّم رئيس اللجنة استقالته في 2026 دون أن يتمكّن من إنجاز مهمّته. وإلى اليوم، لم يُنتَج أيّ إطار مرجعي للمناهج، ولم تُعدّ أيّ دلائل مرجعية للبرامج. غير أن هذه النصوص منصوص عليها في القانون الإطار وكان يفترض أن تكون العمود الفقري للإصلاح.
وهذا الوضع مثير للقلق أكثر لأن المنهاج الوطني لم يُراجَع بشكل كلي منذ 2002. فقد خضعت قطاعات محدّدة فقط – التعليم الأولي، والتعليم الابتدائي – لمراجعات جزئيّة. لكن لم تُنجز أيّ إعادة بناء شاملة للمنهاج، رغم أنّ القانون الإطار ينصّ عليها. فالمنظومة التربويّة المغربيّة تعمل إذاً بمرجعيّات عمرها أكثر من عشرين عاماً، ولا تكفي المراجعات الجزئيّة لتحديثها. فالإصلاحات التي تتوالى منذ عقود تصطدم بهذه الصعوبة نفسها: نغيّر التوجهات الاستراتيجية، نضيف بنيات وآليات جديدة، لكنّ قاعدة التدريس نفسها، أي المنهاج الدراسي، تبقى دون تغيير.
غياب المقاربة النسقية للمنهاج
لكن هذا الغياب في شمولية المنهاج واندماجه يخفي واقعاً آخر يوفر زاوية أخرى للنظر تكشف « خطيئة أصلية » في تصميم االمنهاج الدراسي لمغربي. فالوقت اللازم لتغطية البرامج المقررة يفوق الزمن المدرسي الفعلي المتاح. وهذا الحمل المنهاجي الزائد، الناتج عن تراكم المعارف التي تضاف إلى المنهاج الأصلي بصفة مناسباتية كل ما جد جديد يهم حياة المواطن المغربي، مثل حقوق الإنسان ومدونة الأسرة وغيرها، دون تقليص المحتوى التقليدي، يحوّل الأستاذ إلى عدّاء مسافات طويلة « يركض وراء البرنامج »، مضحّياً بمرحلة الممارسة المستقلّة الضرورية للترسيخ. والأهم، هو أن غياب المقاربة النسقية لبناء المنهاج والتي من المفروض أن تستند إلى مخرجات التعلم التي يحددها الإطار الوطني للإشهاد، وهي الثغرة التي أسست اللجنة الدائمة للمناهج لسدها، ينتج عنه انقطاع في المطابقة العموديّة: فمرجعيّة نهاية الابتدائي مثلا لا تعدّ للتعقيد المفهومي لبداية الإعدادي، خاصّة في التخصّصات العلميّة المدرّسة بالفرنسيّة. فنطلب من تلميذ يتقن بالكاد الشفرة اللغويّة – معدّل PIRLS 2021 هو 372 نقطة، أي الأخير بين 57 دولة – معالجة مفاهيم تجريديّة من مستوى ثانوي. فالمرجعيّات مطابقة لـ« نخبة نظريّة » لكنها غير ملائمة للواقع الاجتماعي والمعرفي للكتلة، التي تتراكم عليها الصعوبات اللغويّة والعوائق المعرفيّة.
كفايات عرضيّة ومدنيّة في تراجع
عواقب هذا الجمود المنهاجي قابلة للقياس. لقد ضمّ PISA 2022 لأوّل مرّة تقييماً للتفكير الإبداعي، وهي كفاية عرضيّة أساسيّة إلى جانب التفكير النقدي والتعاون والتواصل. والنتائج مقلقة. يحصل المغرب على معدّل 15 نقطة من 60، مقابل معدّل 33 في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويصنّف ضمن الدول الخمس الأقلّ أداءً. لا يبلغ 23% فقط من التلاميذ المغاربة المستوى الأساسي في التفكير الإبداعي، مقابل 78% في المعدّل. و5% فقط يعتبرون متميّزين، مقابل 27% في المعدّل.
أكثر من ربع التلاميذ في المغرب يجدون تعلّم أشياء جديدة مملاً. وهذا النقص في الفضول هو عائق رئيسي أمام تطوير الكفايات العرضيّة. أقلّ من نصف التلاميذ يصرّحون بأنهم قادرون على اقتراح أفكار إبداعيّة لمشاريع مدرسيّة. ويرتبط الأداء في التفكير الإبداعي ارتباطاً وثيقاً بالأداء في الرياضيّات (0,72) والقراءة (0,70). ففي المغرب، يُعزى 42% من التباين في التفكير الإبداعي إلى التباين في الرياضيّات. فالتلاميذ الذين لا يتقنون الكفايات الأساسيّة لا يمكنهم تطوير الكفايات المعقّدة. وتؤكّد نتائج PIRLS 2021 (372 نقطة، الأخير بين 57 دولة) وTIMSS 2023 (18% من الإتقان في العلوم في الإعدادي) هذا التشخيص.
إن الكفايات المدنيّة والمقاولاتيّة – المبادرة، الإبداع، حلّ المشكلات، فهم المؤسّسات – تفترض إتقاناً مسبقاً للكفايات الأساسيّة وقدرة على التفكير الإبداعي. وتُظهر معطيات PISA 2022 أن الغالبيّة العظمى من التلاميذ المغاربة لا تبلغ هذه المتطلّبات. فالمنظومة التربويّة لا تنجح في تكوين مواطنين فاعلين ومبدعين، قادرين على الاندماج في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
أساتذة ملتزمون لكن غير مجهّزين بشكل كافٍ
الأساتذة المغاربة ملتزمون. تؤكّد TALIS 2024 ذلك: 92% يصرّحون بأنهم راضون عن مهنتهم، وأكثر من 90% يعبّرون عن متعة في التدريس. فهذا رأس مال بشري ثمين يفترض أن يكون فخر المنظومة التربوية الوطنية.
لكن هذا الالتزام يصطدم بحدود هيكليّة. لا يستفيد سوى نصف الأساتذة (51% في الإعدادي، 44% في الابتدائي) من استقلاليّة لتكييف المنهاج. وأقلّ من 10% يشاركون في إعداد محتوى الدروس. وبالمقارنة مع معدّل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يتمتع الأساتذة المغاربة باستقلاليّة بيداغوجيّة أقلّ، ويشير مديرو المؤسّسات إلى مشاركة محدودة أكثر للأساتذة في اتّخاذ القرار بشأن المنهاج والتدريس. والحاجة إلى التكوين ملحة جدا: يعبّر 64% من أساتذة الابتدائي عن حاجة مرتفعة للتطوير المهني لتدريس التلاميذ ذوي الحاجيات الخاصّة، وهي أعلى نسبة بين جميع دول TALIS.
أما الممارسات البيداغوجيّة فتبقى بأغلبيّتها تلقينيّة. لا يتبنّى سوى 42% من الأساتذة العمل في مجموعات صغيرة، ونصفهم بالكاد يمنحون التلاميذ هامش اختيار في أساليب التعلّم. ولا يصرّح سوى 6% من الأساتذة المغاربة بأنهم يعملون في فرق بيداغوجيّة، مقابل 31% في دول المنظمة. فإشراك التلاميذ في أنشطة فعّالة وتعاونيّة محدود، وهو ما يؤكّده نقص الفضول وضعف الثقة الإبداعيّة التي لاحظها PISA 2022.
الخلاصة: الخروج من وهم الإصلاحات السطحيّة
التشخيص واضح: المنظومة التربويّة المغربيّة تنتج إصلاحات سطحيّة دون مساس بقلب التعليم. فالمنهاج لم يُراجَع منذ 2002. واللجنة الدائمة المنصوص عليها في القانون الإطار فشلت. والتلاميذ لا يطوّرون الكفايات العرضيّة والمدنيّة والمقاولاتيّة التي يحتاجونها. والأساتذة ملتزمون لكنهم يفتقرون إلى الاستقلاليّة والتكوين.
ثمّة ثلاثة تحدّيات كبرى يجب رفعها في السنوات الخمس المقبلة. أوّلاً، مراجعة المنهاج بشكل كلي باعتماد مقاربة نسقيّة، وتخفيف الحمل المنهاجي، وضمان التماسك العمودي بين الأسلاك. وثانياً، تكوين الأساتذة بشكل مكثّف على البيداغوجيّات النشطة والتفكير الإبداعي وتكييف المنهاج. وثالثاً، تعزيز الاستقلاليّة البيداغوجيّة للأساتذة وإشراكهم أكثر في إعداد المحتويات الدراسية.
يملك المغرب أساتذة ملتزمين وإرادة سياسيّة معلنة. وما ينقصه هو القدرة على تحويل النوايا إلى أفعال وتحديث قلب مدرسته: المنهاج. حان وقت الخروج من وهم الإصلاحات السطحيّة لبناء مدرسة تعدّ التلاميذ حقاً لتحدّيات القرن الحادي والعشرين.
المصدر: اليوم 24



