تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 15: البنية التحتية المدرسية – حين تقرأ اللامساواة في جدران المدرسة
ثمة حقائق نفضّل غضّ الطرف عنها. وأرقام نتجاوزها، وخرائط نتجنّب فتحها. أطلس البنية التحتية المدرسية، الذي نشرته الهيئة الوطنية للتقييم في مايو 2025، هو من تلك الوثائق المزعجة. فهو يكشف، بدقة جراحية، ما يعرفه فاعلو المنظومة التربويّة حدسيّاً لكنهم يترددون في الاعتراف به: المدرسة المغربيّة بناء ذو سرعتين. من جهة، مؤسّسات حضرية مجهّزة ببنية تحتية عصرية – تصل مؤشرات جودتها إلى 66 نقطة – حيث يتعلّم التلاميذ في ظروف لائقة نسبيا على العموم. ومن جهة أخرى، مدارس فرعية، البالغ عددها12 ألفاً و867 سنة 2025، التي تستقبل نحو مليون تلميذ بمؤشر جودة لا يتجاوز 25 نقطة. وبينهما فجوة قدرها 41 نقطة ليست مجرّد رقم: إنها قياس لامساواة ترابية ترتهن مستقبل جيل بأكمله. المعيار 8.1 من تقييمنا، الذي يتناول البنية التحتية المدرسية، والتسيير اللوجستي، وصيانة التجهيزات، يكشف واقعاً متبايناً: تقدّم لا يُنكر، لكن مع فوارق مستمرّة تستدعي تدخّلاً عاجلاً.
خريطة الظلم
يمثّل أطلس البنية التحتية المدرسية أداة فائقة القوّة. فهو يقوم على مؤشر تركيبي يمتدّ من 0 إلى 100 نقطة ويوحّد جودة البنى التحتية في كلّ مؤسّسة. المعطيات هنا قاطعة. ففي 2022، سجّلت المدارس الابتدائية مؤشراً قدره 53 نقطة، والإعداديات 77، والثانويات التأهيليّة 81. تحسّن حقيقي مقارنة بـ2015، بلا شكّ. لكن وراء هذا المتوسّط تكمن هوّة سحيقة.
المدارس المستقلة– تلك المؤسّسات الواقعة عادة في المدن – تبلغ مؤشراً قدره 66 نقطة. المدارس الجماعيّة، التي أُنشئت لتحلّ محلّ المدارس الفرعية، تبلغ 55 نقطة. المدارس المركزية، وهي بنيات مدرسية تدور في فلكها المؤسسات الفرعية، تحصل على 44 نقطة. أما ملحقات المدارس المستقلة، الواقعة غالباً في الأطراف، تهبط إلى 31 نقطة. وأخيراً، المدارس الفرعية، تلك الفصول الدراسية متعدّدة المستويات المنتشرة في أقاصي الدواوير، تغلق الحصيلة بمؤشر 25 نقطة. وبالتالي، تبلغ الفجوة بين المدارس المستقلة والمدارس الفرعية 41 نقطة. وهو الفرق بين مدرسة تتوفر على الماء الصالح للشرب، والكهرباء، والمرافق الصحّيّة، والمكتبة، والملعب الرياضي، ومدرسة حيث غياب المراحيض، والماء الصالح للشرب، بل وأحيانا حتى الجدران، هو القاعدة.
ما يثير الانتباه هو استمراريّة هذا النموذج. بلغ عدد المدارس الفرعية 13 ألفاً و140 في 2015. وما زالت 12 ألفاً و867 في 2025 أي لم يتراجع عددها سوى بـ273 فرعية في ظرف عشر سنوات. وتستقبل 47% من تلاميذ الابتدائي في الوسط القروي – قرابة مليون طفل. مليون تلميذ يتعلّمون في ظروف هشّة، دون التجهيزات الأساسيّة، دون الفضاءات التي تشجّع النماء والتنشئة الاجتماعية. مليون طفل لا تتمتّع المدرسة بالنسبة لهم بنفس الجودة، ولا نفس الوجه، ولا نفس الوعود التي يتمتّع بها رفاقهم في المدن.
نموذج المدارس الجماعاتية: وعد غير مكتمل
إزاء هذا الواقع، أطلقت وزارة التربية الوطنية في 2008 مشروعاً طموحاً: الاستبدال التدريجي للمدارس الفرعية بمدارس جماعاتية. هذه المؤسّسات، الأفضل تجهيزاً، كان يفترض أن تقدّم بديلاً نوعيّاً، مع داخليّات ونقل مدرسي لحلّ مشكلة القرب. ففي 2015، كان عدد المدارس الجماعاتية 111. وفي 2025، بلغ 329. أي تم إحداث 218 مدرسة جديدة فقط في ظرف عشر سنوات، وهو ما يعادل تقريبا عدد المدارس الفرعية التي تم حذفها في نفس الفترة. إن الاستمرار في هذه الوتيرة البطيئة، أي 22 مؤسسة كل سنة، وبمنطق مدرسة جماعاتية تعوض مدرسة فرعية واحدة وليس عدة مدارس كما كان عليه التصور في البداية، يعني ببساطة مستفزة أن القضاء على المدارس الفرعية يتطلب 600 سنة.
لكن الواقع عنيد. فحتّى بعد بلوغ هدف 500 مدرسة جماعاتية، لن تستوعب سوى 6% من تلاميذ الابتدائي في الوسط القروي. وستواصل المدارس الفرعية استقبال ما لا يقلّ عن 43% من التلاميذ. نموذج المدارس الجماعاتية، مهما كان نبيلاً، هو قطرة في محيط الاحتياجات. ويعترف الأطلس الترابي بذلك دون مواربة: «نظراً للوزن الكبير للمدارس الفرعية، سيكون من غير الكافي بناء رفع مستوى جودة التعليم في الوسط القروي، خاصّة فيما يتعلّق بالبنية التحتية المدرسية، على النموذج البديل للمدارس الجماعاتية».
لا يمكن أن يكون الحلّ إلا شاملاً، ومشتركاً بين القطاعات. فهو يستلزم ليس فقط وزارة التربية الوطنية، بل أيضاً وزارات الداخلية والتجهيز والماء والطاقة والصحة. فتحسين المدارس القرويّة يعني أوّلاً ربط الدواوير بالماء الصالح للشرب، والكهرباء، وشبكات التطهير. ويعني بناء طرق ليتمكّن التلاميذ والمدرّسون من الوصول إلى المدرسة بيسر. إنه مشروع تنمية ترابية متكاملة، لا مجرّد سياسة تربويّة قطاعيّة، في انتظار تفعيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية والمجالية المندمجة بالمغرب الذي ستخصص له ميزانية 210 مليار درهم على مدى 8 سنوات.
المقايضة المستحيلة بين الجودة والقرب
يبرز الأطلس الترابي معضلة معقّدة: المفاضلة بين جودة البنية التحتية المدرسية وقرب العرض التعليمي. فبينما تميل البنية التحتية إلى التحسّن كلّما تقدّم المتعلّمون في الأسلاك (53 نقطة في الابتدائي، و77 في الإعدادي، و81 في الثانوي)، يضطرّ التلاميذ إلى قطع مسافات أكبر. تغطّي المدارس الابتدائية 99% من الجماعات الترابية. والإعداديات، 78% فقط. والثانويات التأهيليّة، 43%. وكلّما كانت البنية التحتية ذات جودة، كان العرض أبعد.
إنها مفارقة مؤلمة: أطفال المناطق القرويّة، الذين يستفيدون من أكثر البنى التحتية هشاشة، هم أيضاً من يضطرّون إلى قطع أطول المسافات للوصول إلى التعليم. وتتضرّر الفتيات بشكل خاص من هذه المسافات، التي تزيد من خطر الانقطاع المدرسي. يظهر الأطلس أن 93% من التلاميذ في الابتدائي و74% من الإعدادي يذهبون سيراً على الأقدام إلى المدرسة، وأن 14% من الابتدائي و26% من الإعدادي يمشون نصف ساعة على الأقلّ. واقع يطرح علامات استفهام حول وعد مدرسة القرب للجميع.
صيانة غير كافية
لكن حالة البنى التحتية ليست سوى جزء من المشكلة. والجزء الآخر، الذي لا يقلّ أهميّة، هو الصيانة والتسيير اللوجستي. الأطلس، رغم غنائه، لا يتضمّن أيّ فصل خاصّ بالصيانة. وهذا الغياب، في حدّ ذاته، مؤشّر: مسألة الصيانة لم تُعتبر بعد أولويّة.
المعطيات المتاحة، مع ذلك، تشهد على الاستعجال. فقد أكّد مدرّسو 75% من تلاميذ الإعدادي نقص الدعم البيداغوجي في استقصاء PNEA 2019. ويكشف استقصاء آخر الذي أجرته الهيئة الوطنيّة للتقييم بالتعاون مع اليونيسيف، أن هذا النقص في المواد التعليمية هو السبب الثاني الرئيسي لتقليص وقت التدريس، بعد سلوكات التلاميذ غير الملائمة. يغادر المدرّسون فصولهم الدراسية للبحث عن منظار، أو جهاز عرض. وهذا أمر مثير للقلق بالنسبة لمؤسّسة تطمح إلى الحداثة.
هناك مبادرات لإعادة التأهيل بحيث انتقلت نسبة المدارس الابتدائية التي تمّ ربطها بالماء الصالح للشرب من 63,1% في 2015، إلى 74,1% في 2025، وانتقلت حصة المدارس الابتدائية المربوطة بشبكة التطهير من 34,4% في 2015، إلى 36,1% في 2025، لكنها تبقى محدودة وبعيدة جدا على تحقيق الأهداف المرجوة في هذا المجال ذي الصلة الوطيدة بالكرامة الإنسانية. من من جهة أخرى لا يوجد جهاز وطني للصيانة المنتظمة، ولا إطار معياري واضح، ولا تقييم منهجي لحالة البنى التحتية. تتداعى المباني لغياب الصيانة، وتتقادم التجهيزات لغياب التجديد. إنه تبذير، لأن كلّ درهم يُستثمر في البناء دون متابعة بصيانة منتظمة هو درهم مهدور جزئياً.
الفوارق الترابية: جغرافيا اللامساواة
يتيح الأطلس الترابي رسم خرائط للامساواة بدقّة غير مسبوقة. على المستوى الجهوي، يتراوح مؤشر البنية التحتية في الابتدائي بين 47 نقطة (طنجة-تطوان-الحسيمة) و68 نقطة (العيون-الساقية الحمراء). لكن على المستوى الإقليمي، تكون التباينات أكثر إدهاشاً: من 31 نقطة في إقليم شفشاون إلى 70 نقطة في إقليم بوجدور. أربع جماعات من بين العشر الأخيرة في الابتدائي تقع في إقليم شفشاون. تركّز للفقر البنيوي يرسم جغرافيا للإهمال.
من أجل مدرسة ذات جودة للجميع
التشخيص لا يحتمل الجدل. حقّق المغرب تقدّماً ملموساً في تحسين البنى التحتية المدرسية، لكن الفوارق مستمرّة والصيانة شبه غائبة. ولكي يكون المعيار 8.1 محقَّقاً بالكامل، تبرز عدة ورشات كحاجيات ملحّة.
أولاً، تسريع اللحاق في المناطق القرويّة. يجب أن تكون المدارس الفرعية التي يقارب عددها 13 ألفاً أولويّة قصوى. ربط كلّ مدرسة بالماء الصالح للشرب، والكهرباء، وشبكات التطهير. بناء جدران، ومراحيض، وفصول دراسية لائقة. هذه ليست مسألة إمكانيات فقط، بل مسألة إرادة سياسية أيضا.
ثانياً، إعادة التفكير في نموذج المدارس الجماعاتية. الهدف المحقق حاليا غير كاف. لا بدّ من خطّة متعدّدة السنوات، طموحة، لتتحوّل المدارس الجماعاتية إلى البديل المرجعي للمدارس الفرعية، بالاعتماد على مبادرة مشتركة بين القطاعات كما يوصي الأطلس الترابي.
ثالثاً، إرساء جهاز وطني للصيانة. تخصيص موارد، وإطار معياري واضح، وتقييم منتظم لحالة البنى التحتية. يجب أن تُعتبر الصيانة استثماراً، لا نفقة.
رابعاً، عكس منطق توزيع الموارد. يُظهر الأطلس ارتباطاً إيجابياً بين حجم المؤسّسات وجودة البنى التحتية: فالمؤسّسات الكبرى، الموجودة عادة في المدن، تستفيد من أفضل التجهيزات. ومن الضروري تبني منطق التمييز الإيجابي، بتخصيص موارد إضافية للمؤسّسات الصغيرة في المناطق القرويّة.
خامساً، تطوير البنى التحتية الرقميّة. تعميم الولوج إلى الإنترنت، والقاعات المتعدّدة الوسائط، والتجهيزات التفاعليّة في كلّ المؤسّسات. لا يمكن لمدرسة القرن الحادي والعشرين أن تكتفي باللوحات السوداء والطباشير.
سادساً، استخدام الأطلس كأداة للقيادة. هذه الأداة الاستثنائية يجب أن تكون أساساً لمتابعة مستمرّة وتعديلات منتظمة لسياسات البنية التحتية.
أطلس البنية التحتية المدرسية هو صورة للامساواة. لكن الصورة قد تكون أيضاً دعوة للعمل. كلّ نقطة في المؤشر هي حياة طفل. وكلّ فجوة هي ظلم. تستحقّ المدرسة المغربيّة أفضل من مدارس فرعية دون ماء أو كهرباء. تستحقّ مبانٍ لائقة، وتجهيزات حديثة، وصيانة منتظمة. الاستثمار في البنى التحتية المدرسية هو استثمار في مستقبل البلاد. لقد حان وقت أخذه على محمل الجد.
المصدر: اليوم 24



