تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة 16: الرقمنة في المدرسة- المدرّسون مقتنعون، لكنّ الإمكانيات تعوزهم
تمرّ المدرسة المغربية بمرحلة الرقمنة. والمدرّسون مقتنعون بها، بل مقتنعون بشكل كبير. فوفق استقصاء TALIS 2024، الذي شمل أكثر من 18 ألف مدرّس في أكثر من 1200 مؤسّسة، يرى 94% من مدرّسي الإعدادي أن الرقمنة تحفّز اهتمام التلاميذ. ويرى 89% أنها تحسّن أداءهم. ويرى 81% أنها تشجّع التعاون في الفصل الدراسي. وهذه النسب تضع المدرّسين المغاربة بين الأكثر اقتناعاً بالفائدة البيداغوجيّة للرقمنة في جميع الدول المشاركة في الاستقصاء. لكن هذا الاقتناع شبه الإجماعي يصطدم بواقع نقص التجهيز، وضعف التكوين، والعزلة المهنيّة. فالمعيار 8.2 من تقييمنا، الذي يتناول الإدماج العادل والمستدام للرقمنة في الممارسات البيداغوجيّة، يكشف عن مفارقة صارخة: مدرّسون مقتنعون، لكنّ الإمكانيات لا تواكبهم. وهذه الفجوة بين الطموح المعلن والواقع المعاش هي ربما أكبر تحدّ للإصلاح التربوي المغربي في العقد القادم.
موارد رقمية في نقص متزايد
أوّل جرس إنذار يتعلّق بتجهيز المؤسّسات. فوفق معطيات PISA 2022، يسجّل المغرب مؤشّر نقص في الموارد الماديّة بقيمة 1.26، وهو من أعلى المؤشرات بين الدول المشاركة. وهذا الرقم يشهد على تدهور مستمرّ: ففي 2018، كان هذا المؤشر مرتفعاً بالفعل (0.8 أو أكثر). وكان معدّل الحواسيب لكلّ تلميذ 0.1 في 2018، وهو من أدنى المعدّلات بين الدول المشاركة. ولم تكن سوى 38% من الحواسيب المتوفّرة موصولة بالأنترنت، مقابل 96% في معدّل دول منظمة التعاون والتنمية. ولم تتحسّن الحال كثيراً: ففي 2022، أعلنت 49% فقط من المدارس المغربيّة أنها تتوفّر على ولوج إلى الأنترنت. وكان على قرابة 21 مدرّساً أن يتقاسموا حاسوباً واحداً موصولاً بالأنترنت في 2018، بينما كان لكلّ مدرّس حاسوبه الخاصّ في دول المنظمة.
ويصاحب هذا النقص في التجهيز نقص في الموظّفين المؤهّلين. فقد ارتفعت نسبة التلاميذ الذين يصرّح مدراؤهم بأن التدريس يعوقه نقص في المدرّسين بـ19 نقطة مئويّة بين 2018 و2022، من 37% إلى 56%. وهذه الزيادة هي من الأعلى المسجّلة بين الدول المشاركة. كما أن تأهيل المدرّسين يمثّل تحدّياً كبيراً: 10% فقط من المدرّسين المغاربة يحملون شهادة الماستر، مقابل 42% في دول المنظمة. و22% فقط من المدرّسين أنهوا برنامج تكوين مدّته سنة أو أكثر، مقابل 53% في المنظمة. وهذه الأرقام تفسّر لماذا، وفق TALIS 2024، يعتبر 68% من المدرّسين أنفسهم غير مجهّزين لدمج الذكاء الاصطناعي، ويصرّح 68% بأنهم لا يتوفّرون على الكفايات اللازمة.
اقتناع كبير، استعمال محدود
يقيس المؤشر الأوّل من المعيار نسبة المدرّسين الذين يستعملون الأدوات الرقميّة في ممارساتهم البيداغوجيّة. والأرقام بليغة وترسم صورة متباينة: لا يتجاوز استعمال الذكاء الاصطناعي 26.5% لدى مدرّسي الإعدادي و28% لدى مدرّسي الابتدائي. وهذه النسب أدنى من المعدّلات الدوليّة، التي تصل إلى 36% في دول منظمة التعاون والتنمية. والفجوة بين الاقتناع الكبير (94%) والاستعمال الفعلي (26.5%) هي جرس إنذار يجب أن ينبّه صنّاع القرار. وهي تعكس، وفق المحللين، « لا عزوفاً بل نقصاً في الإعداد ». فالمدرّسون يريدون استعمال هذه الأدوات، ويعترفون بإمكاناتها البيداغوجيّة، لكنهم لا يعرفون كيف يدمجونها في صيرورة تعليمية متماسكة. فالتكوين الأساس والمستمر لم يمنحهم بعد المفاتيح المنهجيّة لتحويل القناعة إلى ممارسة مهنيّة فعّالة.
والتكوين، تحديداً، هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. فـ64% فقط من مدرّسي الإعدادي تلقّوا تكويناً في الأدوات الرقميّة الأساسيّة. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، الوضع أكثر إثارة للقلق: لم يستفد من التكوين سوى 20% من مدرّسي الإعدادي و17% من مدرّسي الابتدائي، بينما يعبّر أكثر من 60% عن حاجة ملحّة إلى تكوين في هذا المجال. وهذا عجز هيكلي لا يمكن سدّه ببعض الدورات العرضيّة أو بمبادرات فرديّة معزولة. إنه يستدعي إعادة بناء عميقة للتكوين الأساس والمستمر للمدرّسين، بوحدات إلزاميّة مخصّصة للإدماج البيداغوجي للرقمنة واستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي.
عوائق هيكلية للاستعمال
تفسّر الفجوة بين الاقتناع والممارسة بعدة عوائق هيكلية تعزّز بعضها البعض. أوّلها، الشعور بنقص التجهيز: يصرّح 68% من المدرّسين المغاربة بأنهم لا يتوفّرون على الكفايات اللازمة لدمج الذكاء الاصطناعي في تدريسهم. وبشكل أوسع، يعتبر 68% أنفسهم غير مجهّزين بشكل كافٍ لدمج الأدوات الرقميّة في الفصل الدراسي. وهذا الشعور بالنقص هو عائق قوي أمام الابتكار البيداغوجي: كيف يمكن تجربة طرق جديدة ونحن غير متأكدين من توفر الأدوات المناسبة؟
والعائق الثاني هو العزلة المهنيّة. فلا يتجاوز عدد المدرّسين المغاربة الذين يعملون في فرق بيداغوجيّة منظمة 6%، مقابل 31% في دول منظمة التعاون والتنمية. فالغالبية العظمى من المدرّسين تواجه وحدها التحدّيات البيداغوجيّة، بما فيها تلك المرتبطة بدمج الرقمنة، دون أن تتمكن من الاستناد إلى مجتمع مهني للممارسة. غير أن الابتكار البيداغوجي، خاصّة في مجال الرقمنة، هو عملية جماعية تفترض فضاءات للتبادل والتجريب والتشارك والموارد والخبرات.
والعائق الثالث هو إدراك المخاطر. فرأى 44% من مدرّسي الإعدادي و39% من مدرّسي الابتدائي أن الرقمنة مصدر تشتيت للتلاميذ. ويخشى حوالي 60% أن يؤدي الاستعمال المفرط إلى تقليل التفاعل المباشر والعلاقة الإنسانية، التي هي جوهر مهنة التدريس. وهذا التردّد مفهوم: كيف لا نخاف من انحرافات الرقمنة ونحن لم نتكوّن للسيطرة عليها وتأطيرها؟ الخوف من أن تحلّ الشاشات محلّ الحوار البيداغوجي هو خوف مشروع، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى رفض شامل للرقمنة. بل يجب أن يحفّز على تكوين يسمح للمدرّسين بالسيطرة على هذه الأدوات ودمجها بشكل مدروس ومتوازن.
دور المدرّسين المبتدئين
يكشف استقصاء TALIS 2024 أيضاً أن المدرّسين الأقلّ خبرة يتركزون في المناطق المدرسيّة الهشّة، غالباً القرويّة والمحرومة. غير أن هؤلاء المدرّسين، رغم أنهم يحتمل أن يكونوا أكثر ارتياحاً مع الرقمنة بسبب سنّهم وألفتهم مع التكنولوجيات، غالباً ما يواجهون بنى تحتية وتجهيزات غير كافية. وهكذا يجدون أنفسهم في وضعية متناقضة: هم أكثر استعداداً للابتكار، لكنهم أقلّ وسيلة للقيام بذلك. وهذا التفاوت المزدوج – أقلّ خبرة وأقلّ تجهيزاً – يهدّد بتعزيز الفجوات في أداء التلاميذ وتوسيع التفاوتات الترابيّة.
فوارق ترابية واضحة
تشكّل الفوارق الترابيّة في مجال التجهيز الرقمي تحدّياً كبيراً للعدالة التربويّة. ووفق معطيات PNEA 2019، يصرّح 75% من تلاميذ الابتدائي بأن مدرستهم لا تتوفّر على قاعة متعدّدة الوسائط، و65% بأنها لا تتوفّر على ولوج إلى الأنترنت. وفي الإعدادي، تبلغ هذه النسب 53% و49% على التوالي. وهذه الأرقام، رغم قدمها، تدلّ على تأخّر كبير لا يزال قائماً في المناطق القرويّة الأكثر نأياً. ويؤكّد مؤشّر المعرفة العالمي 2025 تحدّيات المغرب في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، باحتلال المرتبة 87 عالمياً ونقطة 38.8. كما يحتلّ المغرب المرتبة 107 في التعليم ما قبل الجامعي بـ44.9 نقطة، مما يعكس التحدّيات المستمرّة للمنظومة التربويّة.
رهان المدارس الرائدة: بصيص أمل
في هذا المشهد المتباين، يشكّل مشروع « المدارس الرائدة » محاولة طموحة لتعميم الممارسات الرقميّة الجيّدة. يؤكّد تقييم الهيئة الوطنيّة للتقييم، الذي شمل 626 مؤسّسة في المرحلة التجريبيّة، أن الرقمنة هي جوهر هذا المشروع. وقد بلغ المؤشر العام للمطابقة 79 نقطة من 100، مع نتائج مرضية في مجال التجهيز والموارد البيداغوجيّة (79 نقطة)، وبيئة التعلّم (76 نقطة). وتشير المعطيات إلى أن المؤسّسات مُجهّزة بتجهيزات حديثة «تحتلّ فيها التكنولوجيات مكانتها الكاملة»، حسب التقرير. ويشير التقرير أيضاً إلى «الجهود المبذولة في مجال التجهيز» التي مكّنت من تحقيق هذه النتائج. بيد أن الفوارق مستمرّة بين الوسط الحضري (81 نقطة) والوسط القروي (74 نقطة)، ممّا يذكّر بأنّ الفجوة الرقميّة الترابيّة لا تزال تحدّياً كبيراً يتعيّن رفعه. وسيتعيّن على تعميم النموذج على كامل المنظومة أن يأخذ هذه الفوارق بعين الاعتبار تفادياً لتفاقم التفاوتات.
تلاميذ تحت ضغط الرقمنة
يقيس المؤشر الثالث رضا المدرّسين والتلاميذ عن إمكانية الولوج وجودة البنى والأدوات الرقميّة. وتكشف معطيات PISA 2022 أن 49% من التلاميذ المغاربة يصرّحون بأنهم لا يشعرون أبداً أو نادراً بالتوتر أو القلق عندما لا تكون أجهزتهم الرقميّة قريبة، وهي نسبة مماثلة لمعدّل المنظمة. لكن 13.6% من التلاميذ يصرّحون بأنهم يشعرون بالتوتر أو القلق طوال الوقت أو معظمه في غياب أجهزتهم، وهي نسبة أعلى من معدّل المنظمة (9%). ويرتبط هذا القلق بانخفاض 8.5 نقاط في الرياضيّات، وانخفاض في الرضا عن الحياة، وانخفاض في الضبط العاطفي.
كما أن التشتيت في الفصل مقلق: يصرّح 39% من التلاميذ المغاربة بأنهم يتشتّتون باستعمال الأجهزة الرقميّة في حصص الرياضيّات، و36% بتشتيت تلاميذ آخرين يستعملون أجهزة رقميّة. وهذه النسب أعلى من معدّلات المنظمة (30% و25%).
من أجل استراتيجية رقمية متماسكة ومنصفة
التشخيص واضح: المدرّسون المغاربة مقتنعون بفائدة الرقمنة، لكنهم يفتقرون إلى التكوين والتجهيز والدعم. ولكي يكون المعيار 8.2 محقَّقاً بالكامل، تبرز عدة ورشات كحاجيات ملحّة.
أولاً، تعميم وتعزيز تكوين المدرّسين في الرقمنة. يجب أن يكون التكوين المستمر إلزامياً ومنهجياً، بوحدات خاصّة بالذكاء الاصطناعي والأدوات الرقميّة والطرق البيداغوجيّة المبتكرة. فالـ64% الحاليّة غير كافية. بل يجب استهداف 100% من المدرّسين المكوَّنين على الأدوات الرقميّة الأساسيّة، و50% على الأقلّ مكوَّنين على الذكاء الاصطناعي بحلول 2030.
ثانياً، تحسين تجهيز المؤسّسات. يجب تطوير البنى الرقميّة في جميع المؤسّسات، مع عناية خاصّة بالمناطق القرويّة والمؤسّسات المحرومة. ويجب أخذ شعور نقص التجهيز (68%) على محمل الجدّ. يجب أن تتوفّر كلّ مدرسة على اتصال إنترنت عالي السرعة، وقاعات متعدّدة الوسائط، وتجهيزات تفاعليّة.
ثالثاً، تشجيع العمل التعاوني بين المدرّسين. لا يتجاوز عدد المدرّسين المغاربة الذين يعملون في فرق بيداغوجيّة 6%. يجب إرساء فضاءات وأوقات للتعاون لتشجيع تشاطر الممارسات ودمج الرقمنة. فالمدرّسون بحاجة إلى مجتمعات مهنيّة للتبادل والتجريب والتشارك.
رابعاً، تطوير ثقافة التقييم والتتبّع. الجمع المنهجي للمعطيات حول التجهيز الرقمي، واستعمال الأدوات، ورضا المستعملين هو شرط مسبق لأيّ سياسة مستنيرة. لا يمكن قيادة ما لا نقيسه.
خامساً، تقليص الفوارق الترابيّة. يجب أن تستفيد المناطق القرويّة والمؤسّسات المحرومة من تمييز إيجابي في مجال التجهيز والتكوين الرقمي. فالعدالة الرقميّة شرط للعدالة التربويّة.
سادساً، مرافقة المدرّسين في استعمال الذكاء الاصطناعي. الفجوة بين الاقتناع (94%) والاستعمال (26.5%) هي جرس إنذار. يجب وضع أجهزة للمرافقة والتكوين الخاصّ لمساعدة المدرّسين على دمج الذكاء الاصطناعي في ممارساتهم البيداغوجيّة.
الرقمنة، وعد يجب الوفاء به
الرقمنة وعد رائع للتربية. فهي تحفّز اهتمام التلاميذ، وتحسّن أداءهم، وتشجّع التعاون. لكنّ الوعد لا يكفي: بل ثمّة حاجة إلى إمكانيات، وتكوين، والتزام حقيقي لكي يتحوّل هذا الوعد إلى واقع لجميع التلاميذ وجميع المدرّسين.
لقد أثبت المدرّسون المغاربة أنهم مقتنعون. فـ94% منهم واثقون من فوائد الرقمنة. وهذه ميزة كبيرة للبلاد. ويبقى أن يحصلوا على ما يلزم لتحقيق قناعاتهم. على الحكومة أن تستثمر بكثافة في تكوين المدرّسين، وتجهيز المؤسّسات، ودعم الممارسات المبتكرة. المدرسة المغربيّة بحاجة إلى استراتيجية رقميّة حقيقيّة، متماسكة، مستدامة، ومنصفة. استراتيجية لا تقتصر على شراء التجهيزات، بل تضع الإنسان – المدرّسين والتلاميذ – في صميم التحوّل الرقمي.
لقد ولّى زمن الوعود. وحان زمن الفعل. لا يمكن للمدرسة المغربيّة أن تبقى بمعزل عن الثورة الرقميّة. بل عليها أن تقودها، بمدرّسيها، لتلاميذها، لمستقبل البلاد.
المصدر: اليوم 24
