ثقافة ما بعد الحرب
الحرب، رغم قسوتها، دفعت الجميع إلى إعادة التفكير في معنى الأمن، وفي ضرورة بناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها.. وهذا التحول قد يكون أحد أهم ملامح ثقافة ما بعد الحرب، ثقافة لا تبحث فقط عن النجاة، بل عن بناء مستقبل مختلف..
السؤال المطروح دائما هو: كيف تغير الاحداث الكبيرة الثقافة السائدة وتخلخلها من العمق، بل وأحيانا تضرب نواتها المؤسسة لها التي كانت سبب وجودها؟ لا توجد اجابة واحدة لهذا السؤال، فالإجابة تكمن في احداث التاريخ، فصعود أي حضارة أو سقوطها وربما اندثارها مناط بالمآلات التي تؤول لها الاحداث الكبرى التي تمر بها. دعونا نقول أن الحروب عبر التاريخ كانت من اهم الاسباب التي غيرت مجرى التاريخ، أحدثت انقطاعات حضارية واقتصادية اختفت بسببها ثقافات وتبدلت هويات شعوب ولغاتها وفي نفس الوقت كانت سببا في ولادة أخرى وصعودها ونشأة ثقافات جديدة. كيف ننظر للحرب، ربما هو الفيصل الذي يجعلنا نحدد أن الحرب أوجدت حضارة جديدة أو هدمت أخرى قائمة، رغم أن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن لا يعنى ذلك أن ما سطره التاريخ هو الحقيقة.
الحرب هنا ليست مجرد حدث عابر، بل لحظة تكشف هشاشة ما نظنه ثابتاً، وتعيد ترتيب البنية العميقة للوعي الجمعي. فالثقافة، مثل العمران، تتأثر بما يحيط بها، وتتشكل من جديد حين تتعرض لصدمة كبرى. ولهذا كانت الحروب عبر التاريخ نقاط تحول، لا لأنها تسقط حضارات وتبني أخرى فحسب، بل لأنها تكشف ما كان مخفياً خلف استقرار ظاهري. والرواية التي يكتبها المنتصرون ليست دائماً الحقيقة الكاملة، بل جزء من سرد أكبر يعاد تشكيله بعد كل حرب.
ربما الحرب الاخيرة التي دخلت شهرها السادس جعلتني انظر الى ما وراء فكرة الحرب، التي تعني أحيانا البحث عن “الاستقرار” وعن “الامن” وربما ان ما تحدثه الحرب من خراب يكمن خلفه “تنمية” ممتدة، فآخر العلاج الكي، ويبدو أن قرار الحرب مثل قرار الكي، فهو قرار من اجل الوصول الى علاج لمشكلة ما. هذه ليست فلسفية فقط، بل هي نظرة تقود الى تشخيص المشاكل أو هذا على الاقل ما اتصوره. اذكر قبل عقدين كتبت سلسلة مقالات حول “المدينة والحرب”، وكنت اعتبر الهجمات الارهابية التي تعرضت لها المدن السعودية نوعا من الحرب، فقد كشفت تلك الهجمات نقاط القوة والضعف في المدينة وماذا يجب علينا أن نفعل لتحقق استقرار آمن لتك المدن. كل أزمة تحمل داخلها فرصا كامنة، والشدائد تكشف معادن الناس، فجزى الله الشدائد كل خير.. عرفت بها عدوي من صديقي، أو كما قال الشاعر. إذا لنقل ان الحرب تحرك المياه الراكدة وتعيد ترتيب اعماق البحيرة التي لن تعود إلى سابق عهدها.
هذه النظرة التي ترى في الحرب علاجاً قاسياً تكشف أن الأزمات الكبرى تعيد ترتيب الواقع، وتظهر ما تراكم من اختلالات في المجتمع والعمران. فالحرب لا تغيّر المكان فقط، بل تغيّر طريقة فهمنا له، وتكشف نقاط الضعف التي لم تكن ظاهرة قبل وقوع الحدث. وما حدث في الهجمات الإرهابية، رغم أنها أعمال عنف مدانة ارتكبتها جماعات متطرفة مسؤولة عن خسائر بشرية وانتهاكات جسيمة، كشف هشاشة بعض المفاصل الحضرية، وأظهر كيف يمكن للأزمة أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء منظومة أكثر تماسكاً. فالأحداث الكبرى تحمل قدرة على دفع المجتمع نحو مراجعة ذاته وإعادة ترتيب أولوياته.
لا أستطيع أن انفي تأثير “اتفاق مكة” بين السعودية وتركيا وباكستان، على نظرتي المتفائلة حول ما يجري حولنا رغم أن البعض يحمل نظرة سوداء ويرى أن “الشق يتسع”، فنحن لدينا الكثير الذي يجب أن نخاف أن نخسره، وأي اتساع لدائرة الحرب ليس في صالحنا، وانا اتفق معهم في ذلك، لكن لو حاولنا أن نتفهم نظرية “الكي” سوف نعلم يقينا أنه لا علاج دون ألم. نحن نواجه عدوا تاريخيا يتمدد مثل الاخطبوط لا تنفع معه علاقات حسن الجوار والمصالح وإذا لم يتم التعامل معه بشكل جذري فلا يمكن الأمن من غدره. في اعتقادي أن لهذه الحرب وما نتج عنها من تحالفات، قد تتحول الى تحالفات اقتصادية في المستقبل، أوجهًا ايجابية فهي نقطة تحول مهمة في تاريخنا المعاصر.
هذا التفاؤل ليس مجرد إحساس، بل قراءة لمرحلة تتشكل فيها خرائط جديدة، وتُعاد فيها صياغة العلاقات وفق مصالح تتجاوز اللحظة الراهنة. فالاتفاقات الكبرى لا تُقرأ فقط بوصفها ترتيبات سياسية، بل بوصفها مؤشرات على ثقافة ما بعد الحرب، ثقافة تبحث عن الاستقرار عبر بناء منظومات تعاون تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية. إن التحالفات التي تنشأ في لحظات الأزمات ليست مجرد رد فعل، بل محاولة لإعادة ضبط ميزان القوى، وقد تتحول لاحقاً إلى مشاريع اقتصادية تعيد تشكيل مستقبل المنطقة.
إن ما نراه اليوم ليس حدثاً عابراً، بل بداية لمرحلة تُعاد فيها صياغة الثقافة السياسية والاجتماعية.. فالحرب، رغم قسوتها، دفعت الجميع إلى إعادة التفكير في معنى الأمن، وفي ضرورة بناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها. وهذا التحول قد يكون أحد أهم ملامح ثقافة ما بعد الحرب، ثقافة لا تبحث فقط عن النجاة، بل عن بناء مستقبل مختلف.
نقلاً عن “الرياض”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)