ثلاث سنوات على طوفان الأقصى: إقليم تهشم نظامه ولم يظهر بديله بعد
Backملخص الخبر
- أدت الحروب التي بدأت في غزة عام 2023 إلى انهيار الترتيب الإقليمي القديم الذي كان يقوم على حماية أمريكية مقابل قبول عربي.
- تعاني المنطقة من غياب الضامن الدولي وتفتقر إلى نظام جديد يحل محل القواعد العسكرية والاتفاقات السابقة.
- أصبحت القدرة على تعطيل الملاحة البحرية وتأمين الممرات المائية متاحة لأطراف غير تقليدية مما أربك خطط التنويع الاقتصادي.
- أدت التطورات الميدانية إلى تجميد مشاريع التطبيع والممرات الدولية وجعل القضية الفلسطينية شرطاً أساسياً لأي ترتيب مستقبلي.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
آلت الحروب التي بدأت في غزة 2023 إلى شرق أوسط بلا ضامن وبلا قواعد، وأصعب ما في إعادة ترتيبه أن أدوات التعطيل فيه أرخص وأوفر من أدوات البناء.
في الأسبوع الثاني من سبتمبر الماضي أكمل الحوثيون سيطرتهم على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر حتى باب المندب، بعد أقل من شهرين من إعلانهم حصارًا بحريًا على السفن السعودية.
طلب ولي العهد السعودي من واشنطن ضربات جوية توقف تقدمهم، فامتنع دونالد ترامب.
واتفاق الدفاع المشترك الذي وقّعته الرياض مع أنقرة وإسلام آباد في مكة قبل ذلك بخمسة أسابيع لم يُستدعَ.
تجتمع في هذا المشهد حصيلة السنوات الثلاث التي مرّت على السابع من أكتوبر 2023.
الحامي القديم حاضر بأساطيله ويمتنع، والترتيب الجديد موقَّع ولم يُختبر، وجماعة مسلحة تمسك بمضيق يمر به نحو 12% من تجارة العالم.
أغلب ما يُكتب في الذكرى يسأل عمّن انتصر، وهو سؤال يفترض حربًا انتهت ولوحة نتائج يقبلها الجميع.
وأظن أن السؤالين الأجدى هما: إلى أي حال انتهى الإقليم؟ ومن يقدر على إعادة ترتيبه؟
ما انتهى إليه الإقليم
أول ما انتهى إليه الإقليم أن حروبه لم تنتهِ.
وقف إطلاق النار في غزة يُتمّ عامه الأول في العاشر من أكتوبر، وجيش الاحتلال يسيطر على ما يقارب 70% من القطاع بعد أن كان يسيطر على نصفه تقريبًا يوم بدأت الهدنة، وقد قُتل تحت الهدنة أكثر من ألف فلسطيني حتى يوليو الماضي، وإعادة الإعمار لم تبدأ.
وفي لبنان جُدّدت في يونيو هدنة أعقبت حرب مارس، والقصف مستمر، وإسرائيل تحتل نحو 68 بلدةً وقريةً في الجنوب.
والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير 2026، دخلت شهرها الثامن.
انهارت مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو، ورفض ترامب في 26 سبتمبر عرضًا إيرانيًا بإعادة فتح مضيق هرمز خلال أسبوع مقابل رفع الحصار البحري عن المواني الإيرانية، وخام برنت فوق 100 دولار.
الهدنة في هذه الساحات كلها اسم لحرب أقل كثافة تتحرك تحتها خطوط السيطرة.
وانتهى مع هذه الحروب الترتيب الذي حكم الإقليم منذ 1991.
قام ذلك الترتيب على حماية أمريكية يقابلها قبول عربي، وكانت القواعد العسكرية في الخليج عنوانه.
حرب 2026 قلبت وظيفة هذه القواعد، فاستجلبت الصواريخ الإيرانية إلى الدول التي تستضيفها، وخفّض البنك الدولي في أبريل توقعه لنمو دول مجلس التعاون هذا العام من 4.4% إلى 1.3%.
سقطت بذلك صورة الخليج ملاذًا آمنًا معزولًا عن حرائق جواره، وهي الصورة التي قامت عليها خطط التنويع الاقتصادي.
وردّت العواصم الخليجية بمسارين متعاكسين، تعمّق اعتمادها على المظلة الأمريكية وتبني بدائل عنها في الوقت نفسه.
وحرية الملاحة في هرمز، وهي الغرض المعلن للوجود البحري الأمريكي في الخليج منذ مبدأ كارتر عام 1980، معطلة منذ الربيع.
واشنطن لم تغادر بقيت تؤدي من النظام القديم وظيفته العسكرية بأقل مما وعدت، وفقدت القدرة على تأسيس نظام بعده.
والقوتان اللتان تواجهتا في هذه الحرب خرجتا منها بقدرة على التعطيل تفوق قدرتهما على الترتيب.
إسرائيل اغتالت قيادات حماس وحزب الله، وقصفت وفد حماس المفاوض في الدوحة في 9 سبتمبر 2025، وأقامت مناطق عازلة في غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا.
كل مكسب من هذه المكاسب رفع كلفة قبولها بين جيرانها، وتفوقها العسكري معلّق بالذخائر الأمريكية والفيتو الأمريكي، ومسار التطبيع الذي كان يتقدم قبل الطوفان متجمد.
وإيران خسرت سوريا بسقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، وضعف حزب الله، وقُتل مرشدها علي خامنئي في الضربات الأولى، ثم بقي في يدها مضيق هرمز الذي يمر به نحو خُمس تجارة النفط في العالم، وأضاف إليه حلفاؤها في صنعاء باب المندب.
تستطيع طهران أن ترفع كلفة أي ترتيب يُقصيها، ولا تستطيع أن تجمع جيرانها على ترتيب تقوده.
أما الدول العربية فخرجت من السنوات الثلاث بلا إطار يجمعها.
مجلس التعاون لم يتحول إلى إطار دفاعي مشترك والصواريخ تسقط على أعضائه، والجامعة العربية بلا أثر يُذكر في أي ملف من غزة إلى اليمن.
سوريا الجديدة تعيد بناء دولتها وجنوبها تحت الاحتلال، ولبنان فقد منذ مارس أكثر من 4,300 قتيل، وما زال 341 ألفًا من أهله بلا بيوت يعودون إليها.
وتحركت في هذا الفراغ قوى متوسطة، السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان، بالوساطة والتمويل وعقد الاتفاقات، فصارت طرفًا في صنع الأحداث بعد أن كانت تتلقى قرارات العواصم الكبرى.
ثم إن الساحات صارت ساحة واحدة.
ما يجري في غزة يصل إلى البحر الأحمر، وما يجري في هرمز يصل إلى قناة السويس، والقدرة على الإيذاء خرجت من احتكار الجيوش الكبيرة.
طائرة مسيّرة رخيصة تعطّل مصفاة أو ناقلة أو ميناء، وجماعة مسلحة تحاصر أكبر مصدّر للنفط في العالم، وسعر البرميل في لندن يتحدد بما يُقرَّر في صنعاء وبندر عباس.
وعادت فلسطين في قلب ذلك كله شرطًا لا يمر ترتيب من دونه، فالمشاريع التي أرادت قبل أكتوبر 2023 أن تعبر فوقها، من التطبيع السعودي الإسرائيلي إلى الممر الهندي الأوروبي، متوقفة منذ ثلاث سنوات.
انتهى الإقليم إذن إلى حال يملك فيها كل فاعل جادّ حق النقض على ترتيبات غيره، ولا يملك أحد ترتيبًا يوقّع عليه الآخرون.
القديم محتفظ بما يدافع به عن مواقعه وعاجز عن التأسيس، والناشئ يتحرك ولم يكتمل له قبول.
وكثرة الوساطات والاتفاقات الجزئية والتحالفات المؤقتة في العامين الأخيرين بدائل صغيرة عن نظام غائب.
معضلات إعادة البناء
أولى المعضلات غياب الضامن، كل ترتيب عرفه الإقليم في القرن الماضي كان وراءه طرف خارجي يفرضه ويحرسه، بريطانيا وفرنسا ثم القطبان في الحرب الباردة ثم الولايات المتحدة منفردة.
هذا الطرف غير موجود اليوم.
واشنطن تملك القوة وتمتنع عن استعمالها لحساب حلفائها العرب، كما امتنعت في باب المندب، وتستعملها بسخاء لحساب إسرائيل.
والصين تشتري نفط الخليج وإيران معًا وترفض أي التزام أمني، وروسيا غارقة في أوكرانيا، وأوروبا تدفع فاتورة الطاقة ولا تملك أداة أمنية مستقلة.
الهيمنة القديمة تتفكك ولا وارث لها، ومن ينتظر ضامنًا جديدًا يبني سياسته على وهم أو فراغ..
المعضلة الثانية أن البديل الإقليمي لم يُختبر.
اتفاق مكة الموقَّع في 7 أغسطس ينص على أن الاعتداء على أحد أطرافه اعتداء عليها جميعًا، وقد خرج من اتفاق الدفاع السعودي الباكستاني الذي أُبرم بعد ثمانية أيام من ضربة الدوحة.
قيمته في المقدمة التي يقوم عليها، وهي أن أمن الإقليم لم يعد خدمة أمريكية تُشترى.
المال الخليجي والسلاح التركي والردع الباكستاني يجتمع منها ما لا يملكه طرف واحد.
غير أن نصه لم يُنشر، ولا مؤسسات له، وأول اختبار واجهه في باب المندب مرّ- حتى الآن- من دون أن يفعل. ويبدو أنه صيغ لردع اعتداء تشنه دولة، وما واجهته الرياض حصار تفرضه جماعة مسلحة من أرض بلد ثالث، وهذه حالة لا تجيب عنها بنود الدفاع المشترك بسهولة.
ومصر صاحبة واحد من أكبر جيوش الإقليم، شاركت في المشاورات التي سبقته وبقيت خارجه، وأنقرة تقول إن ما يؤخر انضمامها مسائل فنية، وأطرافه تتعاون في ملف وتتنافس في آخر، مصر وتركيا وباكستان تنقصها السيولة، والخليج الذي يملكها منقسم منذ خرجت الإمارات من أوبك في مطلع مايو على خلفية خلاف معلن مع الرياض.
وثالثة المعضلات أن أقدر الأطراف على التعطيل أقلها مصلحة في الاستقرار.
نفوذ إيران اليوم مصدره قدرتها على إغلاق المضيق، ونفوذ الحوثيين مصدره باب المندب، وحكومة بنيامين نتنياهو تذهب إلى انتخابات 27 أكتوبر وهي تشترط نزع سلاح حماس قبل أي انسحاب من غزة.
نظام مستقر يسحب من هؤلاء جميعًا أوراقهم، ولا مصلحة لأي منهم في المساعدة على قيامه.
ويزيد الأمر تعقيدًا أن أي ترتيب قابل للحياة يحتاج إلى إدخال إيران فيه وإلى كبح إسرائيل معًا، والقوى التي تريد ذلك لا تملك وسيلة تفرض بها كلفة على تل أبيب ما دامت واشنطن تتكفل بحمايتها.
وقد جرّبت واشنطن وتل أبيب الطريق المعاكس سبعة أشهر، أي إخراج إيران من المعادلة بالقوة، فلم يُفتح المضيق ولم يسقط النظام.
والممرات معضلة رابعة، التنافس المقبل يدور على طرق النفط والغاز والحاويات والكهرباء والبيانات أكثر مما يدور على العواصم، وقد بدا في الربيع أن من يوفّر طريقًا بديلًا أقوى ممن يغلق الطريق القائم.
رفعت السعودية طاقة خطها البري شرق غرب إلى البحر الأحمر من خمسة ملايين برميل يوميًا إلى سبعة لتلتف على هرمز، فوجدت صادراتها بعد شهور أمام الحوثيين في باب المندب.
نقل البديلُ الانكشافَ من مضيق إلى مضيق.
ومصر تعرف الدرس من جهته الأخرى، خسرت قناة السويس مليارات الدولارات بقرار اتُّخذ في صنعاء، ثم انتعش عبور الناقلات فيها بقرارات اتُّخذت في طهران وواشنطن، وفي الحالين لم يكن للقاهرة يد، وسيطرة الحوثيين على باب المندب تضع إيراداتها من جديد في يد غيرها.
الموقع على الخريطة يصير قوة إذا بنت الدولة حوله مواني وصناعة ودبلوماسية تجعل الالتفاف عليه مكلفًا، ويبقى من دون ذلك أصلًا يرفع غيرُها قيمته ويخفضها.
وتبقى الشرعية، وامتحانها في فلسطين، تقدّر الأمم المتحدة حاجات غزة بـ71.4 مليار دولار على عشر سنوات، ونحو ثلثي القطاع مغلق أمام سكانه، و1.9 مليون منهم نازحون.
وخطة التعافي التي أعلنها مجلس السلام في 23 سبتمبر قيمتها 2.45 مليار دولار لستة أشهر، والأمم المتحدة تقدّر حاجة الأشهر الثمانية عشر الأولى وحدها بـ26.3 مليارا، وتنفيذها موقوف.
وافقت حماس في نهاية يوليو على صيغة لنزع سلاحها، ثم تعطل كل شيء لأن نتنياهو يطلب تسليم السلاح قبل الانسحاب، والإطار المتفق عليه يربطه بانسحاب على مراحل.
وفي الضفة تحتجز إسرائيل نحو ستة مليارات دولار من أموال المقاصة، والسلطة الفلسطينية تؤخر الرواتب، وسجّلت الأمم المتحدة هذا العام أكثر من 1,430 اعتداءً للمستوطنين.
أي بنيان إقليمي يترك غزة ركامًا والضفة للمستوطنين يقوم على الصدع الذي خرج منه الطوفان.
والشرعية لا يشتريها المال ولا يفرضها السلاح، يمنحها الآخرون ويسحبونها، وتعود أبطأ كثيرًا مما تضيع. وأغلب الحكومات المرشحة لبناء النظام الإقليمي الجديد تواجه في داخلها النقص نفسه في القبول الذي عليها أن تحصله في الخارج، وتعاني من تآكله أمام مجتمعات شابة شاهدت الإبادة على هواتفها.
من يستطيع إذن بناء نظام جديد؟
لا دولة بمفردها، المرشح الوحيد ائتلاف من القوى المتوسطة التي تتحرك الآن، فهو الطرف الذي يجمع المال والسلاح والجغرافيا والقرب من المجتمعات، وعليه تقع كلفة الفوضى قبل غيره.
لكن ترشحه مشروط يحتاج إلى مصر داخل الترتيب بحدودها مع غزة وقناتها وجيشها، وإلى خليج لا تتنازع عاصمتاه الكبريان، وإلى صيغة مع طهران تبادل أمن الممرات برفع الحصار، وإلى ربط ذلك كله بمسار فلسطيني له موعد ونهاية. وكل شرط من هذه الأربعة يملك طرف آخر أن يعطّله.
الأرجح عندي أن يعيش الإقليم سنوات في فوضى مُدارة، لا قوة تهيمن فيها ولا توازن يستقر، هدنات تُجدَّد وخطوط تتحرك.
الخروج منها يتوقف على ائتلاف يقدر على تحويل ما في يده، فيجعل القوة قواعد، والاقتصاد بنية يشترك فيها الجيران، والموقع خدمة لا يُستغنى عنها.
والاختباران القائمان الآن يكشفان من يكون الاختبار الأول في باب المندب، وموضوعه هل تحمي القوى التي وقّعت في مكة ممرًا امتنعت واشنطن عن حمايته.
والثاني في غزة، وموضوعه من يعيد بناءها وبأي سلطة وهل يُسأل أهلها.
والجواب عن الاثنين معلّق حتى اليوم، والمتاح إلى أن يُحسم هو إدارة الفوضى.
<p>The post ثلاث سنوات على طوفان الأقصى: إقليم تهشم نظامه ولم يظهر بديله بعد first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360