جديد التحالف الغربي
كتبت غير ما مرة عما يمكن تسميته بالتطورات غير التقليدية في التحالف الغربي، وقصدت بذلك أن ثمة أحداثاً لم يألفها من قَبلْ هذا التحالف القائم بقيادة الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. صحيح أنه واجه بعضَ الأزمات مثل الحديث عن بديل دفاعي أوروبي مستقل، ومثل السياسة الفرنسية في ستينيات القرن الماضي بقيادة ديجول، والتي شكلت في حينها تمرداً حقيقياً على السياسة الأميركية. لكن التطورات المقصودة انطوت على وقائع لم يألفها التحالف قبلاً، وتتعلق بتناقضات حقيقية بين السياسة الأميركية والسياسات الأوروبية، وهي تناقضات بدأت منذ ولاية ترامب الأولى بسبب اعتراضه على ضآلة النصيب الأوروبي في ميزانية حلف شمال الأطلسي «الناتو». ومع ذلك فقد كان ممكناً اعتبارها تناقضات ثانوية لم تمثل تهديداً جسيماً للتحالف، خاصة وقد استجابت الدول الأوربية ولو جزئياً لمطالبات ترامب مما خفّض بنحو 150مليار دولار سنوياً لصالح الولايات المتحدة، بل إن نسبة الحصة الألمانية تساوت مع نظيرتها الأميركية. أما في الولاية الثانية لترامب، فقد اتسع الخرق على الراتق بموقف البيت الأبيض من تسوية الحرب الأوكرانية، وهو الموقف الذي لم يمانع بموجبه في تقديم تنازلات إقليمية أوكرانية لروسيا مقابل إنهاء الحرب. كما طالب بملكية جزيرة جرينلاند التابعة للدانمرك، وبأن تكون كندا هي الولاية الأميركية رقم 51.
ولم تكن تلك التناقضات مما يمكن تجاوزه بسهولة، مما أفضى إلى توترات داخل التحالف انعكست لاحقاً على موقف الدول الأوروبية وكندا من الحرب ضد إيران، فأدى ذلك لمزيد من المواقف السلبية لترامب تجاه «الناتو» الذي وصفه بأوصاف سلبية غير مسبوقة. وقد أدى هذا إلى بروز ظواهر جديدة في التحالف الغربي، تَمثل أهمها فيما بدا من أنه توجه أوروبي عام لتعزيز العلاقة مع الصين، والتي يعلم الجميع مدى حدة المنافسة بينها وبين الولايات المتحدة، وهو ما فتح البابَ لتحليلات حول احتمال حدوث تحولات نوعية في أنماط التحالفات الدولية بعلاقات قوية بين المكون الأوروبي في التحالف الغربي والصين يمكن لها أن تستمر لما بعد نهاية ولاية ترامب. غير أن الآونة الأخيرة شهدت تطوراً نوعياً جديداً يتصل بعلاقة كندا مع الاتحاد الأوربي.
وعلى الرغم من أن العلاقات الأوروبية الكندية لها جذورها التاريخية منذ عصر الاستعمار الأوروبي، وكذلك أبعادها الاقتصادية، وبالذات منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والاتحاد الأوروبي، عام 2017، والتي جعلت الاتحاد ثاني أكبر شريك تجاري لكندا، فإن الشهر الجاري شهد تطوراً نوعياً عندما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى تجاوز اتفاقيات التجارة الحرة التقليدية، وبحث صيغة غير مسبوقة تتمثل في منح كندا صفة «عضو منتسب»، بهدف ربط الأسواق والبنى التحتية والبحث العلمي. ولا يمكن فصل هذا التطور عن تصاعد الخلافات والتوترات بين كندا والولايات المتحدة. ولو قُدِّر لهذه الفكرة أن تُتَرْجَم على أرض الواقع لمثلت تطوراً نوعياً في التحالف الغربي بتوطيد العلاقة بين المتضررين من سياسات إدارة ترامب. ولا شك في أن الفكرة ما زالت في مهدها، إذ على الرغم من ترحيب رئيس الوزراء الكندي بالمبادرة، فإن مكتبه كان حريصاً على تأكيد أن كندا لن تتخلى عن قرارها المستقل. كما أن المعارضة الكندية أبدت تحفظَها على أي خطوة تمس استقلال كندا، فضلاً عن تساؤلات طُرِحت في وسائل الإعلام حول جدوى الخطوة.
وبالتأكيد فإن الطريق مازال طويلاً أمام تنفيذ الفكرة، ومع ذلك فإن مجرد طرحها واحتمالاته المستقبلية يُظْهِر أن الحراك مازال مستمراً داخل صفوف التحالف الغربي.
نقلاً عن الاتحاد
المصدر: العربية – سياسة





