حديقة الحيوان بالخرطوم.. كيف انتهت “جوهرة أفريقيا” إلى برج القذافي؟
في المكان الذي كان يعلو فيه زئير الأسود، وتتحرك الفيلة خلف الأقفاص، ويتزاحم الأطفال لرؤية الحيوانات القادمة من أماكن بعيدة، يقف اليوم برج شاهق يطل على النيل.
هنا كانت حديقة الحيوان بالعاصمة السودانية الخرطوم، التي عاشت عقوداً متنفساً للعائلات ووجهة لرحلات المدارس، ووُصفت بأنها “جوهرة أفريقيا”، قبل أن تختفي حيواناتها ويتغير وجه المكان، لتقوم على أرضها بناية فندقية عُرفت في الذاكرة السودانية بـ”برج القذافي”، نسبة إلى الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، قبل أن تحمل اسم “كورنثيا” بعد سقوط نظامه عام 2011.
وبحسب الرواية المتداولة، أغلق نظام الرئيس المخلوع عمر البشير الحديقة بعد بيع أرضها إلى نظام القذافي. ولم تُنشأ حديقة بديلة تستوعب حيواناتها، التي وُزعت على حدائق صغيرة، ومات كثير منها لاحقاً.
من مقرن النيلين إلى “جوهرة أفريقيا”
بدأت قصة حديقة الحيوان بالخرطوم عام 1901، قبل أن تنتقل عام 1903 إلى موقعها الشهير عند مقرن النيلين، قبالة جزيرة توتي، حيث يلتقي النيل الأزرق بالنيل الأبيض.
وعلى مدى عقود، أصبحت من أشهر معالم الخرطوم، وضمت الأسود والنمور والفهود والفيلة والغزلان والحمار الوحشي وفرس النهر والتماسيح والثعابين والسلاحف، وغيرها من الحيوانات والطيور.
كما شهدت عمليات تبادل للحيوانات مع حدائق خارج السودان، وتلقت حيوانات كهدايا. ومن القصص المتداولة أن دباً وصل إليها هدية من الرئيس اليوغوسلافي الراحل جوزيف بروز تيتو.
وكان وحيد القرن الأبيض الشمالي “أنغاليفو” من أبرز حيواناتها، إذ عاش في الخرطوم حتى عام 1990، قبل انتقاله إلى حديقة سان دييغو في الولايات المتحدة.
وتوثق صور التقطت عام 1936، ومحفوظة ضمن مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس الأميركية، وجود كنغر أسترالي داخل الحديقة.
وبالنسبة إلى الدكتور الصادق سليمان، المتخصص في الحياة البرية، لم تكن الحديقة مجرد مكان للترفيه.
ويقول لـ”العربية.نت” إن حدائق الحيوان تؤدي أدواراً تعليمية وإرشادية وبحثية، إلى جانب دورها في الحفاظ على الحيوانات البرية وتربيتها، فضلاً عن قيمتها الثقافية والاقتصادية.
ويرى سليمان أن إغلاق حديقة الخرطوم لم يؤدِ فقط إلى خسارة تلك الأدوار، بل تسبب أيضاً في فقدان جزء من “الذاكرة المكانية” للمدينة، إذ كانت الحديقة معلماً ثقافياً وسياحياً ارتبط بأجيال من السودانيين.

الحيوانات تفرقت والمكان تغير
وعن نهاية الحديقة، يقول سليمان إن إغلاقها تم عام 1991، بحسب إفادة أحد المختصين الذين عاصروا الحدث.
ويضيف: “بعد الإغلاق تم توزيع الحيوانات على الحدائق الأخرى، ومعظمها مات بعد النقل”، مرجعاً ذلك إلى احتمالات عدة، بينها طريقة النقل وعدم ملاءمة البيئة الجديدة للحيوانات.
وأشار إلى أن بعض المختصين سعوا إلى إنشاء حديقة بديلة ووصلت جهودهم إلى مراحل متقدمة، لكنها “لم ترَ النور”.
وفي الموقع المطل على النيل، ظهر لاحقاً برج الفاتح، الذي عُرف شعبياً بـ”برج القذافي”، قبل أن يصبح فندق “كورنثيا”. وهكذا تغيرت وظيفة المكان من حديقة عامة إلى مشروع فندقي.
لكن ذاكرة الحديقة بقيت حاضرة لدى من عرفوها.
ويستعيد صانع المحتوى عيسى عبدالعزيز زيارته إليها عام 1985، عندما كان في الثالثة عشرة من عمره. ويتذكر التماسيح والفيلة والنعام ووحيد القرن والكنغر، واصفاً الحديقة بأنها كانت “متنفساً طبيعياً وملتقى للأحبة”.
أما عبدالله السر، الذي كان والده يعمل سائقاً في “معدية توتي”، فيتذكر خصوصاً زئير الأسود الذي كان يصل إلى سكان الجزيرة عند الغروب، ولا سيما مع اقتراب موعد إطعامها.

اليوم لم يعد ذلك الصوت موجوداً، كما اختفت الأقفاص والحيوانات التي ملأت المكان لعقود. وبقيت الصور وحكايات سكان الخرطوم شاهدة على حديقة كانت جزءاً من حياة المدينة، قبل أن تختفي من الخريطة وتبقى حاضرة في الذاكرة.
المصدر: العربية

