حربان تتسببان في أزمة طاقة عالمية
من دروس التاريخ الحديث أن البنى التحتية والمرافق والمنشآت الاستراتيجية المدنية دائمًا ما تكون الهدف الأول للتدمير في الحروب، من بعد المنشآت والقواعد العسكرية، وتحديدًا آبار النفط ومصافي التكرير وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير ومحطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، إنْ وجدت.
وبطبيعة الحال، كان استهداف هذه المرافق يتم من خلال الطائرات الحربية، فتتعامل معها الدفاعات الجوية. غير أن الأمر تغير اليوم بعد استخدام الطائرات المسيرة ذاتية التشغيل في القصف. فأنظمة الدفاع القائمة قد لا تنجح دوما في التصدي لكل مسيّرات العدو، الأمر الذي يزيد من احتمالات تكبد المرافق الحيوية لأضرار جسيمة بأقل مجهود.
من ناحية أخرى، علمتنا الحروب أن الدول قد تلجأ إلى إلحاق أضرار مضاعفة بعدوها من خلال خنقه اقتصاديًا، ووسيلتها في ذلك هو فرض الحصار البحري على العدو لمنعه من التصدير والاستيراد، أو إغلاق الشريان الحيوي الذي تمر من خلاله تجارته، كما هو الحال في مضيق هرمز ومضيق باب المندب حاليًا.
ويزداد الأمر سوءًا، لتمتد مخاطر الحرب إلى كل دول العالم، حينما تكون إحدى أو كلتا الدولتين المتحاربتين موردًا مهمًا للطاقة العالمية. ففي هذه الحالة يؤدي توقف إنتاج النفط، بسبب استهداف حقوله ومعامل تكريره وموانئ تصديره، إلى شح في أسواق الطاقة العالمية، وبالتالي ارتفاع أسعاره، وعجز الدول عن توفيره لمواطنيها، وهو ما قد يؤدي إلى قلاقل واضطرابات وركود في الحياة الاقتصادية.
والمشهد العالمي الحالي، شاهد على صحة ما نقول، حيث إن هناك بالفعل أزمة طاقة في العالم، بل من المتوقع أن تتفاقم هذه الأزمة، خصوصًا وأنها ليست ناجمة عن حرب واحدة وإنما حربان متزامنتان تنخرط في كل منهما دولة مصدرة للنفط (إيران في حرب الخليج، وروسيا في حرب أوكرانيا).
فإذا كانت الحرب الأولى تسببت في إغلاق مضيق هرمز، وتسببت من جهة أخرى في قيام عصابات الحوثي اليمنية بإغلاق مضيق باب المندب أو تعطيل المرور من خلاله، وقيام الميليشيات العراقية الموالية لإيران بتهديد عمل وسلامة مصافي التكرير السعودية، ما أدى إلى تعذر تسويق نحو 20 مليون برميل من النفط الخليجي (الخام والمكرر والمكثفات والمنتجات البترولية) يوميًا. فإن قيام الجيش الأوكراني، في إطار حربه ضد روسيا، باستخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى في قصف أكثر من 11 مجمعًا روسيًا رئيسيًا لإنتاج الوقود، أدى إلى تعطيل جزء كبير من قدرة روسيا على انتاج الوقود، حيث قدر حجم القدرة التكريرية المتضررة بنحو 60% من إجمالي قدرة البلاد في هذا المجال. والمعروف أن الهجمات الأوكرانية هدفت في المقام الأول إلى عرقلة مخصصات الحرب في موسكو والتي يتم تأمينها عبر تصدير المنتجات النفطية المكررة.
صحيح إن العالم نجح في تجاوز أزمة طاقة خلال الأشهر الأولى من الحرب الأمريكية على إيران بسبب عوامل منها أن شحنات ضخمة من نفط الخليج كانت قد عبرت مضيق هرمز قبل إغلاقه إلى وجهاتها العالمية، ومنها أن بعض الدول لجأت إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية من النفط من تلك التي بنتها خصيصًا للطوارئ، ومنها قيام بعض الدول بترشيد استهلاك الطاقة من خلال العمل عن بعد أو تقليل ساعات العمل والدراسة، ومنها أيضًا قيام الولايات المتحدة بزيادة انتاجها من النفط والغاز ومخرجات المصافي سدا لحاجتها الداخلية وحاجة الأمريكيتين. لكن الصحيح أيضًا هو أن إطالة أمد الأزمة في الخليج واستمرار إغلاق مضيق هرمز والتهديدات الموجهة لحركة النقل في البحر الأحمر باتجاه قناة السويس، واستهداف المسيرات الإيرانية لميناء دمياط على البحر الأبيض المتوسط، حيث ينتهي بالقرب منه خط أنابيب سوميد الناقل للنفط السعودي إلى أوروبا عبر مصر، وتزامن كل هذه التطورات مع اشتداد المعارك بين أوكرانيا وروسيا، خلق عجزًا عالميًا في توفير الطاقة وفي قدرات التكرير، ومصاعب في الحفاظ على توازن أسواق النفط، قد تشتد مع قرب حلول فصل الشتاء. ومن ناحية أخرى تدهورت أوضاع بعض الدول المعتمدة كليًا على استيراد حاجتها من النفط والمشتقات البترولية من منطقة الخليج، وباتت في حالة اقتصادية هشة، كي لا نقول إنها مقبلة على اضطرابات داخلية.
المؤسف أن إغلاق مضيق دولي مثل مضيق هرمز الذي يشكل شريان حياة لأمم وشعوب كثيرة، لم يواجه بقرار أممي صارم من مجلس الأمن الدولي يجيز تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ضد الدولة المتسببة في الإغلاق وهي إيران، على نحو ما حدث في قضية غزو العراق للكويت سنة 1990، على الرغم من أن العمل الإيراني يؤثر على العالم كله وليس على دولة أو منطقة بعينها. والسبب معروف وهو عدم وجود إجماع دولي على معاقبة النظام الإيراني الإرهابي.
نقلاُ عن الأيام
المصدر: العربية – سياسة


