حرب إقليم الشرق الأوسط!
لا أدرى ما سوف يكون عليه «الشرق الأوسط» بعد أسبوع من كتابة هذا المقال. «الشرق الأوسط» الذى نعرفه يجمع ما بين الدول العربية الأعضاء فى جامعة الدول العربية أى 22 دولة، والجيران تركيا وإيران وإسرائيل. بالطبع هناك تعريفات أخرى لذات الإقليم التى ارتبطت بالسياسة البريطانية التى كان لها نفوذ فى شرق آسيا البعيد وكذلك الدول المتاخمة على شاطىء البحر المتوسط المعروفة بالشرق الأدنى. بات طبيعيا أن يكون لأغراض عسكرية بحتة ما بينهما هو «الشرق الأوسط» الذى يضم دول آسيا الوسطى وبعضا من عرب «الهلال الخصيب» والعجم معهم. أثناء الحرب العالمية الثانية عزلت الكيانات السياسية جنوب المتوسط نتيجة الهجمات النازية على السفن التى تحمل السلع والبضائع والغذاء إلى تلك المنطقة فكان السعى لخلق حالة من الاعتماد المتبادل بين دول «الإقليم» لكى تعتمد على بعضها البعض فى الغذاء والدواء والملبس. مع انتهاء الحرب لم يبق المشروع قائما، وإنما إنشاء جامعة الدول العربية معبرة عن «العالم العربى» الذى يركز على اللغة والثقافة والتاريخ المشترك. أحيانا فيما تلا ذلك بات هناك تنافس ما بين المفهومين: العالم العربى والشرق الأوسط. الثانى ضم إلى العرب قوى أخرى من عجم ويهود وعثمانيين أصبح لكل منهم مشروعه الخاصة بالإقليم الذى يعيشون فيه.
معضلة الشرق الأوسط الكبرى أصبحت منذ بداية القرن الواحد والعشرين وعبر ثلاثة عقود أشبه ما تكون إلى إقليم استراتيجى، بمعنى أن يكون معبرا عن دول توجد جغرافيا فى النطاق الذى أشرنا إليه؛ ولكنه فى نفس الوقت مطمع لما فيه من نفط وطاقة وسوق وكابلات اتصال وتواصل فرضتها العولمة والتفاعلات العالمية، ليس فقط بين الدول وإنما جماعات وتنظيمات سياسية وإرهابية عابرة للحدود والبحار بلغت واحدة منها أن تخلق «دولة الخلافة الإسلامية» الواقعة على الخط الفاصل بين سوريا والعراق. عاشت الدولة ثلاث سنوات حتى جرى تحالف دولى ضم دولا عظمى وكبرى ومن الإقليم وخارجه. «الثورة الإيرانية» (1979) والحرب «العراقية الإيرانية» (1980- 1988) تلتها حرب تحرير الكويت (1990-1991) وفى 2001 جرت الغارة الإرهابية على أبراج مركز التجارة العالمى فى «نيويورك» الأمريكية التى قادت إلى غزو أفغانستان ومن بعده العراق. أصبح «الشرق الأوسط» ممتدا من حدود الصين إلى شاطئ الأطلنطى.
تاريخيا فإن «الصراع العربى الإسرائيلى» كان معناه أحيانا «أزمة الشرق الأوسط» ولم تكن هناك صدفة أن الأزمة بدأت من مشهد العملية العسكرية التى قام بها تنظيم «حماس» على إسرائيل. لم يكن ذلك جزءا من نضال منظمة التحرير الفلسطينية لتحرير فلسطين؛ ولا كانت نوعا من «المقاومة» التى تعبر عن الوطنية الفلسطينية مثل الانتفاضة الأولى والثانية، وإنما كانت تعبيرا عن واحد من تنظيمات الإخوان المسلمين مع جبهة للمساندة ضمت ميليشيات قتالية خلقتها إيران كنوع من «الدفاع المتقدم» فى أربع عواصم عربية بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. الغارة التى قامت بها «حماس» بدأت حربا تشمل الإقليم كله، بعضها فى لبنان وشمال سوريا، وغارات على العراق أما غزة فقد جرت فيها حرب استعادت النكبات الفلسطينية وخلقت حالة سعى للقتل الجماعى والتطهير العرقى. تدريجيا باتت الحروب قائمة على كل الجبهات، وعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران فى حرب ال 12 يوما، وما أعقبها فى حرب أخرى بدأت فى 28 فبراير 2026 ولا تزال قائمة ما بين صدامات مسلحة ومحاولات لوقف إطلاق النار وعقد الهدنة.
ما كان حربا تخص «الصراع المركزى» بين الفلسطينيين والإسرائيليين بات حربا إقليمية بامتياز. لم تكن الجغرافيا بهذه الحالة من الصراحة «الجيوسياسية» التى شملت فى القلب فلسطين وإسرائيل وسوريا ولبنان؛ وكانت من الضراوة ما يجعلها حربا مع إيران التى شنت حربا ضروسا على دول الخليج العربية لكى تخلق أزمة عالمية للطاقة والاقتصاد العالمى بغرض التأثير فى السياسة الأمريكية. «مضيق هرمز» فى مدخل الخليج العربى بات «ورقة» إيرانية قوية للتحكم فى دخول وخروج النفط والغاز والبضائع. انقلب السحر على الساحر عندما قامت الولايات المتحدة بحصار الموانئ الإيرانية؛ وبات الحصار على الحصار حالة أمريكية إيرانية دخل على تخومها فى أدوار الوساطة كل من تركيا وباكستان. الموضوعات السابقة الخاصة بالقضية المركزية تولتها فى الوساطة دول عربية هى السعودية وقطر ومصر وعمان، وهذه كثيرا ما تقاطعت مع الدول غير العربية.
الفصل الأخير من الامتداد فى «الشرق الأوسط» جاء من توسع جغرافيا الأزمة من «مضيق هرمز» إلى «مضيق باب المندب». لم يكن دخول هذا الأخير متأخرا فقد سبق للحوثيين التدخل بالصواريخ لضرب إسرائيل أثناء احتدام حرب غزة الخامسة كمساندة لحماس وحزب الله اللبنانى. الآن عاد المضيق مرة أخرى ولكنه هذه المرة سرعان ما واجه قوات وسفن وقوارب «التحالف العربى» الذى يناضل من أجل عودة اليمن مرة أخرى كدولة وطنية عربية. القصة لا يزال فيها الكثير حيث دخلت الحرب الفترة التى تكتشف فيها دولة عظمى مثل الولايات المتحدة أنها استهلكت الكثير من الذخائر بينما لا تزال الحرب دائرة.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)