حرب السودان| الاستنزاف الاقتصادي يقوض الدولة
تُقرأ الحرب في السودان في الغالب من خلال موازينها العسكرية: المدن التي سقطت أو استُعيدت، خطوط التماس، وحركة القوات على الأرض.
غير أن هذه القراءة لا تلتقط سوى الطبقة الأكثر وضوحاً من الحرب، بينما تجري في الأعماق معركة أخرى تستهدف القدرة على استمرار الدولة وإعادة إنتاج وظائفها.
فالدولة لا تنهار بمجرد فقدان الأرض، وإنما حين تفقد الموارد التي تمكنها من تمويل مؤسساتها، ودفع أجور العاملين، وتوفير الخدمات، وتأمين الغذاء والدواء، والحفاظ على العملة والنظام المالي. ومن ثم، فإن استعادة مدينة أو صد هجوم لا يساوي بالضرورة استعادة الدولة.
والأكثر خطورة أن السودان دخل الحرب وهو يحمل إرثاً ثقيلاً من الإفقار الممنهج والضعف البنيوي المتراكم لعقود، قبل أن تضاعف الحرب هذا الاستنزاف خلال ثلاث سنوات بوتيرة كارثية.
ولذلك، فإن الانهيار الراهن لا يمكن اختزاله في كونه كلفة مؤقتة للقتال؛ فالاقتصاد الذي دخل الحرب بهامش محدود من القدرة على الصمود تعرض لضربات متزامنة طالت الإنتاج والإيرادات والتجارة والنقد الأجنبي والعملة والموارد البشرية.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى الاستنزاف الاقتصادي بوصفه نتيجة جانبية للحرب، وإنما باعتباره أحد أهم أدواتها الحاسمة في إضعاف الدولة.
فالاستراتيجية لا تستهدف القوة العسكرية وحدها، بل القاعدة التي تمنح الدولة القدرة على تمويل الحرب والحفاظ على مؤسساتها والاستمرار في أداء وظائفها. وتدمير الإنتاج، وتعطيل التجارة والبنية التحتية، واستنزاف الموارد البشرية، وضرب المياه والكهرباء والوقود، كلها تتحرك داخل مسار واحد: تقليص قدرة الدولة والمجتمع على إعادة إنتاج شروط البقاء.
وتتعمق هذه الضغوط مع العقوبات والقيود المصرفية والمالية والتحويلات، التي تضيق المجال أمام اقتصاد فقد جزءاً كبيراً من قدرته الإنتاجية والتصديرية. ومع انكماش الصادرات وتراجع النقد الأجنبي، في مقابل استمرار الحاجة إلى الاستيراد، يتسع الطلب على الدولار وتتراجع قيمة العملة.
وقد تجاوز سعر الدولار حاجز 7,000 جنيه سوداني، مقارنة بنحو 500 جنيه عند اندلاع الحرب، في انعكاس حاد لحجم الانهيار النقدي وفقدان العملة لقيمتها.
ولا يقف أثر هذا الانهيار عند المؤشرات النقدية.
فحين يصل رغيف الخبز إلى 500 جنيه، يتحول انهيار العملة من رقم في سوق الصرف إلى صدمة يومية تمس أبسط احتياجات الإنسان.
وترتفع أسعار الغذاء والدواء والوقود، وتتآكل القدرة الشرائية، وتتسع دائرة الفقر والنزوح، ثم يؤدي ذلك بدوره إلى مزيد من فقدان الإنتاج والموارد البشرية؛ أي إلى حلقة مغلقة تعيد إنتاج الانهيار من داخله.
وتقف الدولة الآن أمام مأزق اقتصادي حاد: فإذا واصلت تمويل العجز وطباعة العملة لتغطية النفقات واستيراد السلع الأساسية، كالقمح والوقود، اتسعت الضغوط التضخمية وتسارعت خسارة العملة لقيمتها، حتى يصبح المواطن عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجاته.
وإذا أوقفت التمويل النقدي سعياً إلى كبح انهيار العملة، واجهت في المقابل شح السيولة وصعوبة تمويل الاحتياجات الأساسية. وفي الحالتين، تنتقل كلفة الاختلال في النهاية إلى المواطن.
الميليشيات وتدمير القاعدة الاقتصادية للدولة
الأدوات المستخدمة بصورة مباشرة وجزئياً في تنفيذ هذه الاستراتيجية هي الميليشيات بمختلف تشكيلاتها، وفي مقدمتها الدعم السريع، الذي يقود هذه الأداة مالياً وتنفيذياً.
ولا ينحصر دور هذه القوى في خوض المعارك، بل يمتد إلى استهداف البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تستند إليها الدولة.
ومن خلال مسار الحرب، الذي يبدو في كثير من الأحيان فوضوياً، يمكن رصد نمط متكرر في استهداف مقومات الحياة: المياه، الكهرباء، الوقود، الأسواق وطرق الإمداد. فتدمير هذه العناصر لا يقتصر أثره على الخسائر المباشرة، وإنما يعطل حركة الاقتصاد، ويدفع السكان إلى النزوح، ويفرغ مناطق الإنتاج من مواردها البشرية، ويقطع سلاسل الإمداد.
ولو كان الهدف هو بناء سلطة بديلة، لكان الحفاظ على البنية التحتية والخدمات والقطاعات الاقتصادية شرطاً لبقاء تلك السلطة. أما تدمير هذه المقومات بصورة متكررة، فينتج وظيفة مختلفة تماماً: إنتاج الفوضى وتجفيف شروط الاستقرار والإنتاج.
وتتضح المفارقة في المناطق التي يُطرح فيها مشروع حكم موازٍ، ومنها نيالا. فالحكم لا يقوم على القوة وحدها؛ بل يحتاج إلى مجتمع منتج، وأسواق، وخدمات، وبنية تحتية. وتدمير هذه المقومات يقوض الأساس المادي لأي سلطة يُفترض أنها تسعى إلى الحكم، ويجعل وظيفة القوة أقرب إلى الاستنزاف والتفكيك منها إلى بناء بديل قابل للاستمرار.
ولا ينفصل ذلك عن بنية القيادة والتنفيذ؛ فتنظيم العمليات والموارد والأهداف يجعل الميليشيات أدوات قادرة على توجيه القوة نحو وظائف تتجاوز الاشتباك العسكري المباشر.
وفي الوقت نفسه، تخلق الحرب اقتصاداً خاصاً بها، يقوم في جانب منه على المال والغنائم والحوافز السياسية.
ومع استمرار القتال، يمكن أن يصبح استمرار الحرب مصلحة بحد ذاته لبعض الفاعلين، بينما يتحول تأمين المال أو الغنائم أو مخرج آمن إلى أولوية عند انتهاء المهمة.
وهنا تتكرر المعضلة التي سبقت الحرب: استخدام القوى غير النظامية لتحقيق مكاسب عسكرية قصيرة الأجل، ثم فقدان القدرة على ضبطها عندما تتضخم مصالحها وقدراتها. وإذا عجزت الدولة عن تنظيم هذه القوى واحتوائها وتنفيذ الاتفاقات معها، فإن الأداة التي استُخدمت لحماية الدولة يمكن أن تتحول إلى تهديد لبنيتها ذاتها.
وهذا الخطر لا يقتصر على الدعم السريع؛ فكل قوة مسلحة تنمو خارج الإطار المؤسسي للدولة، وتتحول مصالحها العسكرية والمالية والسياسية إلى مصالح مستقلة، يمكن أن تصبح في لحظة ما جزءاً من المشكلة التي يفترض أن الدولة تخوض الحرب لحلها.
من الاستنزاف الاقتصادي إلى تفكيك الدولة
حين تتراكم هذه المسارات، ينتقل الاستنزاف من الاقتصاد إلى وظائف الدولة نفسها. انخفاض الإنتاج يعني انخفاض الإيرادات، فيما تستمر تكلفة الحرب والخدمات والمؤسسات في الارتفاع. ومع انهيار العملة، يصبح الحفاظ على الوظائف الأساسية للدولة أكثر كلفة، بينما تتقلص القيمة الحقيقية للموارد المتاحة.
ويأتي الجفاف وتراجع الأمطار ليضاعفا هذا الاختلال. فتراجع الإنتاج الزراعي وشح المياه يرفعان الحاجة إلى الاستيراد في الوقت الذي تتراجع فيه الموارد والنقد الأجنبي. ولا تتوقف آثار الجفاف عند المحاصيل؛ فمع شح المياه والمراعي، يضطر أصحاب الثروة الحيوانية إلى التخلص من مواشيهم بأي ثمن لتجنب نفوقها، ما يعني فقدان أحد أهم الأصول التي يعتمد عليها ملايين السودانيين ومصدراً رئيسياً للدخل والغذاء والادخار.
وهكذا يتحول الجفاف من أزمة مناخية إلى صدمة اقتصادية واجتماعية مباشرة: فقدان المحاصيل، وتراجع الثروة الحيوانية، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الحاجة إلى الاستيراد، وكل ذلك في اقتصاد يعاني أصلاً من شح النقد الأجنبي وانهيار العملة.
لذلك لا يمثل تراجع الأمطار أزمة منفصلة، بل صدمة إضافية لاقتصاد مستنزف، يمكن أن تتحول إلى الطلقة الأخيرة في مسار الانهيار.
وتصبح كلفة المجهود العسكري المستمر عاملاً حاسماً في هذه المرحلة. فحين تستمر الحرب من دون أفق واضح لتمويل نفقاتها، ومن دون قدرة على تعويض الاستنزاف أو دعم دولي واسع، يتحول المجهود العسكري من أداة لتحقيق هدف إلى استنزاف ذاتي، يستهلك القدرة على تحقيق الهدف نفسه. فالقوة العسكرية لا تستمد استدامتها من السلاح وحده، وإنما من اقتصاد قادر على تمويلها.
ولا يأتي الاستنزاف من خارج الدولة وحدها؛ إذ يمكن لبنية النظام السياسي نفسها أن تعيد إنتاجه. فعندما يصبح الاصطفاف ضد الدعم السريع معياراً وحيداً للحكم على المواقف، يُحجب السؤال الأكثر جوهرية: ما أثر هذه السياسات على الدولة نفسها؟
فالتمليش وبروز دور الميليشيات والاختراق وتحويل مؤسسات الدولة إلى ساحات للمصالح والصراع يمكن أن يجعل تفكيك الدولة عملية ذاتية تحدث من داخل الدولة ذاتها. كما أن غياب معيار يميز بين المعارضة التي تستهدف إصلاح السياسات وحماية الدولة، وبين مواقف تبدو موالية للنظام لكنها تقوض مؤسساته من الداخل، يتيح إعادة إنتاج الاستنزاف تحت عناوين سياسية مختلفة.
لذلك لا ينبغي أن يكون معيار التقييم هو الاصطفاف مع طرف ضد آخر، وإنما أثر السياسات على الدولة ومؤسساتها وقدرتها على البقاء.
وفي ظل صعود المصالح الضيقة والسريعة، سواء على مستوى الأفراد أو الأسر أو الجماعات، يصبح المكسب الآني أحياناً مقدماً على حماية البنية التي تقوم عليها الدولة. وعندها لا يعود الخطر كامناً في الخصم وحده، بل في تحول الدولة نفسها إلى بيئة تعيد إنتاج الأدوات التي تستنزفها.
وتتجاوز النتائج المجال الاقتصادي إلى بنية المجتمع والدولة معاً. فالفقر والنزوح وتراجع الخدمات، وتآكل القدرة الشرائية تضرب العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، بينما يؤدي فقدان السكان ومصادر الإنتاج إلى مزيد من الانكماش، فتتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
الهدف الأبعد للاستراتيجية ليس فقط إنهاك القوات، وإنما إضعاف قدرة الدولة على الاستمرار وإعادة إنتاج وظائفها.
وعندما يبلغ الاستنزاف هذه المرحلة، يصبح التفكك حصيلة تراكم اقتصادي ومؤسسي واجتماعي، وليس نتيجة معركة واحدة.
ولهذا لم يعد ممكناً التعامل مع الحرب وفق معيار التقدم العسكري والسيطرة على الأرض وحدهما. المطلوب هو إعادة تعريف الأولويات حول صمود الاقتصاد، ووقف الاستنزاف، وحماية الإنتاج والبنية التحتية، وإيجاد بدائل لتمويل العجز وتخفيف الضغط عن العملة والمواطن.
ضرورة الهدنة
وفي ظل هذا التسارع والانغلاق الكامل، تصبح الهدنة أكثر ضرورة من أي وقت مضى. ليست الهدنة حلاً نهائياً للحرب، وإنما ضرورة عاجلة لمنع الوصول إلى الانهيار الكامل، وتأمين مسارات للمساعدات والسلع، وحماية ما تبقى من النشاط الاقتصادي، وفتح المجال أمام ضمانات وآليات لتجميد الاستنزاف الاقتصادي، أو على الأقل كبح التسارع الهائل للانهيار.
فالهدنة في هذه اللحظة ليست مجرد ترتيب عسكري مؤقت؛ إنها أداة لوقف النزيف الاقتصادي والحيلولة دون بلوغ الدولة نقطة يصعب بعدها إنقاذ وظائفها الأساسية.
ومع استمرار حالة الانغلاق، فإن تأجيل الهدنة يعني ترك الاقتصاد والمجتمع والدولة أمام استنزاف متسارع قد يتجاوز قدرتها على الاحتمال.
والتفكير فيما بعد الحرب يجب أن يبدأ الآن، لا من سؤال كيفية وقف المعارك فقط، وإنما من سؤال أعمق: كيف يُعاد بناء الدولة من دون إعادة إنتاج الشروط التي قادتها إلى الانهيار؟ فإعادة البناء لا يمكن أن تكون مجرد ترميم لما دمرته الحرب، بل يجب أن تبدأ من معالجة البنية الاقتصادية والمؤسسية والسياسية التي جعلت الدولة والمجتمع بهذه الدرجة من الهشاشة.
<p>The post حرب السودان| الاستنزاف الاقتصادي يقوض الدولة first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360





