حلقة وصل من الشمال للشرق.. تعرف على أهمية الجوف اليمنية
بالتزامن مع تحقيق القوات المسلحة اليمنية مزيداً من التقدم خلال مواجهاتها مع ميليشيا الحوثي، لا تبدو المعركة على الجوف صراعاً على مواقع عسكرية فحسب، بل سباقاً على منطقة تمنح من يسيطر عليها مساحة أوسع للحركة والمناورة، وقدرة أكبر على التأثير في طرق الإمداد والاتصال بين شمال اليمن وشرقه، فضلاً عن امتلاك ورقة اقتصادية مهمة.
أتى ذلك فيما أفاد مراسل العربية/الحدث، الاثنين، أن القوات المسلحة اليمنية تتقدم باتجاه عمق محافظة الجوف، وتتجه نحو الحزم، مشيراً في الوقت ذاته إلى استسلام عناصر حوثية أثناء التقدم في الجوف.
بوابة الشمال الشرقي
وتقع الجوف في شمال شرق اليمن، فيما تتصل بمحافظات صعدة وعمران من الغرب، ومأرب من الجنوب، وتمتد باتجاه حضرموت شرقاً، لذا يمنحها هذا الموقع مكانة خاصة في الخريطة اليمنية، إذ تقع بين مناطق نفوذ وقوى متنافسة، وتشكل حلقة وصل برية بين شمال البلاد ووسطها وشرقها، وفق المركز الوطني اليمني للمعلومات، الذي أشار إلى أن الجوف هي موطن مملكة معين القديمة، ويشكل سكانها نحو 2.3% من إجمالي عدد اليمنيين.

لكن أهمية موقع الجوف لا تقتصر على الحدود اليمنية فحسب، بل ترتبط كذلك بقربها الجغرافي من صعدة، معقل الحوثيين، ومن مأرب التي تمثل أحد أبرز مراكز الطاقة في اليمن، فضلاً عن اتصالها بالمحافظات الشرقية، لذا فالسيطرة على أجزاء واسعة من الجوف يمكن أن تؤثر في خطوط الحركة والإمداد بين عدد من المناطق اليمنية، وتوفر عمقاً عملياتياً مهماً لأي طرف يفرض نفوذه عليها.
أهمية عسكرية
كذلك يُنظر إلى الجوف، بحكم مساحتها واتساع رقعتها الجغرافية، باعتبارها منطقة مناسبة لإعادة الانتشار والمناورة العسكرية، كما أن تنوع تضاريسها بين الهضاب والوديان والمناطق الصحراوية يمنح العمليات العسكرية فيها طبيعة مختلفة عن الجبهات الجبلية المغلقة.

كما تتضاعف أهمية المحافظة عسكرياً مع وجود طرق ومحاور تربطها بالمناطق الشمالية والوسطى والشرقية، كما يمثل الوصول إلى الحزم، مركز المحافظة، هدفاً ذا قيمة سياسية وعسكرية، فيما تكتسب مواقع مثل معسكر اللبنات الذي سيطرت عليه القوات اليمنية أهمية باعتبارها نقاطاً عسكرية يمكن أن تؤثر في طبيعة الانتشار والسيطرة على المساحات المحيطة.
من جهته، رأى المحلل السياسي اليمني، بليغ المخلافي، أن محافظة الجوف تتمتع بأهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي ومساحتها، فضلاً عن قربها من محافظة مأرب ومناطق النفط في مأرب وشبوة، موضحاً أن “الميليشيات الحوثية كانت دائماً تستميت للبقاء في الجوف، لأنها تمثل ورقة ضغط وتهديداً لمناطق النفط”. واعتبر أن “انتزاع هذه الورقة من الميليشيات سيؤثر في مختلف الجبهات في اليمن”.
أما عن أهمية الجوف بالنسبة للقوات اليمنية، فأوضح المخلافي في حديث لـ”العربية.نت/الحدث.نت”، أن المحافظة تمثل “مسرح عمليات مفتوحاً”، لافتاً إلى أنها “تحاذي مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، وبالتالي فتحرير الجوف يتيح إمكانية التقدم نحو عمران التي تعد أحد معاقل الميليشيات، ومنها باتجاه صنعاء”.
كما أشار إلى أن السيطرة على الجوف من شأنها أن تؤثر في الحوثيين من جوانب عدة “عسكرياً واقتصادياً وسياسياً”.

هذا ما يفسر جانباً من تصاعد القتال في المحافظة خلال الفترة الأخيرة، مع دفع ميليشيا الحوثي بمقاتلين إلى أكثر من جبهة في محاولة لمنع القوات الحكومية من تعميق تقدمها.
في المقابل، يشير استخدام القوات اليمنية للقوة الجوية إلى محاولة دعم التقدم البري وضرب مواقع حوثية يمكن أن تعيق حركة القوات أو تهدد خطوط إمدادها.
على صعيد متصل، نفذت القوات الجوية اليمنية ضربات في محافظتي البيضاء والجوف، فضلاً عن مأرب وتعز.
ترابط جغرافي واقتصادي
كما تزداد القيمة الاستراتيجية للجوف بالنظر إلى اتصالها بمحافظة مأرب التي تُعد من أهم مناطق الطاقة في اليمن، إذ تشكل المحافظتان نطاقاً جغرافياً متصلاً في شمال شرقي البلاد، كما يربط بينهما عدد من الطرق والمحاور ذات الأهمية العسكرية واللوجستية، ما يجعل أي تغير في موازين السيطرة بالجوف مؤثراً في محيط مأرب وخطوط الحركة والإمداد بين مناطق الشمال والشرق.

إلى جانب موقعها العسكري، تمتلك الجوف مقومات اقتصادية تجعل السيطرة عليها ذات أهمية بعيدة المدى، إذ تعد الزراعة من أبرز هذه المقومات، حيث تتمتع أجزاء من المحافظة بسهول وأودية وتربة صالحة للزراعة، إلى جانب موارد من المياه الجوفية.
هذا وتنتج المحافظة عدداً من المحاصيل الزراعية، بينها الحبوب والخضراوات والفواكه والأعلاف، كما تمتلك ثروة حيوانية مهمة، وتشكل محاصيلها 28% من إجمالي الإنتاج الزراعي في اليمن، ما يمنح الجوف قدرة على الإسهام في الأمن الغذائي اليمني، خصوصاً في ظل تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة من البلاد نتيجة سنوات الحرب.
ومع استمرار العمليات العسكرية والتقدم باتجاه الحزم، تبدو الجوف أمام اختبار جديد، فالمحافظة التي كانت تاريخياً ممراً للتجارة والاتصال تحولت إلى عقدة عسكرية تتقاطع عندها حسابات الحدود والطاقة والغذاء وخطوط الإمداد.
المصدر: العربية


