حلقة 4 تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الرابعة: المغرب مشخّص جيّد، لكنه معالج رديء
ثمة حقيقة يجد المصلحون صعوبة في الاعتراف بها: التشخيص الجيّد لا يصنع بالضرورة سياسة جيّدة. يمكننا أن نعرف بدقة متناهية الآلام التي تعاني منها منظومتنا التربويّة، ونواصل وصف علاجات غير فعّالة، بل مضادّة للإنتاج. هذه هي المفارقة التي تعبر المعيار الثاني من المجال الثاني في تقييمنا. فالمغرب هو اليوم « مشخّص » ممتاز لمدرسته. لديه أدوات قياس موثوقة، وثقافة للمعطيات تترسّخ، وتقويمات دوليّة ووطنيّة تتيح له معرفة، بدقة جراحيّة، أين تكمن ثغراته. لكنه يبقى « معالجاً » رديئاً: فهو يعجز عن تحويل هذه التشخيصات إلى سياسات منسّقة، رشيقة وفعّالة، قادرة على إحداث أثر دائم في تعلّمات التلاميذ.
الحكم الإجمالي لهذا المعيار – « محقَّق جزئيّاً » – هو أقلّ من شهادة نجاح، بل اعتراف بعجز جزئي. يعني أن المنظومة تملك أدوات القياس، لكنها لا تملك بعد اليد التي تعرف كيف تستعملها للشفاء. فالحلقة الفاضلة « تشخيص ← سياسة ← تنفيذ ← تقويم ← تحسين » مقطوعة على مستوى التنفيذ والتعديل. فالمغرب يعرف أين يتّجه، ويعرف أين يفشل، لكنه لا ينجح في تصحيح مساره في الزمن الفعلي. هذا التباعد بين وعي التشخيص وجمود العلاج هو جوهر تحليلنا.
ثورة صامتة: ثقافة المعطيات
لنشيد أوّلاً بتقدّم كبير. لقد قطع المغرب شوطاً حاسماً في قدرته على إنتاج المعطيات واستعمالها، في وقت كانت التشخيصات تعاني، قبل عقد من الزمن، من عجز صارخ في البراهين التجريبيّة حول جودة التعلّمات. اليوم، انتهى ذلك العصر إلى حدّ كبير. لقد زوّد المغرب نفسه بمنظومة تقييم يمكنه الافتخار بها بحقّ. نظام « مسار » يغطّي في الزمن الفعلي كلّ التلاميذ والأساتذة والمؤسّسات. والهيئة الوطنيّة للتقييم تنتج تقارير دقيقة عن مكتسبات التلاميذ، بمعطيات مفصّلة تسمح بتحديد الفجوات الترابيّة والاجتماعيّة. والمشاركات في الدراسات الدوليّة – PISA, PIRLS, TIMSS – منهجيّة، ونتائجها تُدمج الآن في التشخيصات الوطنيّة.
وخارطة الطريق 2022-2026 نفسها، قبل إطلاقها، سبقها تشخيص « بدون مجاملة » استند إلى نتائج PISA والبرنامج الوطني لتقييم المكتسبات. فقد اعترفت الوزارة علناً، بالاستناد إلى التقويمات الوطنيّة والدوليّة، بأن 70% من التلاميذ لا يتقنون الأساسيّات. إن نسبة المعطيات الموثوقة المستعملة في التشخيصات الوطنيّة الكبرى تقارب الآن 100%. والمغرب لم يعد يبحر بدون بوصلة. إنه يعرف أين يتّجه. والتحدّي، الآن، هو جعل هذه الثقافة تنتقلإلى الصفّ الدراسي، إلى الأستاذ، لكي تصبح أداة تنظيم يومي لا مجرّد أداة قيادة مركزيّة.
حوار الطرشان: التنسيق أمام اختبار الميدان
لكن السياسة التربويّة لا تنحصر في تشخيص مهما كان دقيقا. إنها تتطلّب تنسيقاً فعّالاً بين جميع الفاعلين، على جميع مستويات الحكامة. وهنا تكمن العقدة. لقد نجحت المنظومة التربوية المغربية في تنسيقها الهيكلي. فالعقود-البرامج بين وزارة التربية الوطنية والأكاديميّات الجهوية للتربية والتكوين تحدّد أهدافاً دقيقة وتضمن متابعة منتظمة. وتبني نموذج « المدارس الرائدة » في شقها التجريبي سنة 2023-2024 أظهر قدرة على التنسيق العمودي مذهلة: ففي أشهر قليلة، تم تفعيل دينامية التطبيق من المركز إلى 626 مؤسّسة بفضل سلسلة قيادة عمودية صارمة جدّاً يتحكم فيها فريق مركزي مشكل من ديوان الوزير.
لكن هذا التنسيق يبقى هرميّاً، نازلاً. فالمدرسة، موضع إنتاج القيمة، هي في الغالب « الحلقة الأخيرة » التي تُبلَّغ بالتعليمات والأوامر، والتي تملك أقلّ هامش للمناورة لتكييف السياسات الوطنيّة مع سياقها الخاصّ. نلاحظ هيمنة نمط من التدبير بعنوان « تنسيق مطابقة » ، محكوم بالامتثال للمذكرات الوزاريّة والتعليمات الشفهية، بدلاً من نمط تدبيري آخر يحمل عنوان « تنسيق التزام »، محكوم بالتعاون حول هدف مشترك. فالارتجاعات الصاعدة من الميدان، حين توجد، تُصفَّى غالباً من طرف الإدارة، أو تُشوَّه ولو بشكل غير مقصود لكي تتلاءم مع المطلوب، أو تتأخّر بواسطة البيروقراطيّة الترابيّة. فمجالس المؤسّسات، وهي نظريّاً فضاءات حوار، يهيمن عليها غالباً المديرون ولا توفّر دائماً فضاءً صادقاً للتعبير للأساتذة والآباء.
والأدهى، أن التنسيق الأفقي، الذي يفترض أن يربط التربية الوطنيّة بالتعليم العالي والتكوين المهني، وبباقي الأطراف المعنية بقضية التعليم الشائكة، هو في وضع الانتظار. فاللجنة الوطنيّة لتتبع ومواكبة إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي المنصوص عليها في المادة 57 من القانون الإطار لم تجتمع سوى مرّة واحدة منذ 2021، بعدما كانت تجتمع بانتظام ما بين 2019 تاريخ صدور القانون الإطار و2021 تاريخ الانتقال الحكومي. فمسارات المتعلّمين تبقى معزولة، دون جسور سلسة بين الثانوي والجامعة وعالم الشغل. إن التنسيق يعمل في القمّة بشكل عمودي يتوسل بالتعليمات، لكنه يخبو في القاعدة لغياب شروط المقاربة التشاركية الحقيقية، وينهار في بُعده الأفقي بسبب غياب الإرادة السياسية لدى الفاعل الحكومي.
الفعالية الانتقائيّة: نجاح في الوسائل، إخفاق في الأثر
المؤشر 2.2.3 هو الأقسى بلا شكّ في تقييمنا لهذا المعيار. فهو يقيس الفعالية السببيّة للسياسات: أي مدى كون النتائج الملاحظة ثمرة مباشرة للإصلاحات المنفَّذة؟ وهنا، التشخيص متباين. في أهداف الوسائل، حقّق المغرب تقدّماً مهما يستحق التنويه. فالتعليم الأولي قفز بأكثر من عشرين نقطة مئوية خلال عقد من الزمن. وميزانيّة التعليم عرفت طفرة نوعية في السنوات الخمس الأخيرة. وميزانية النقل المدرسي ارتفعت بمقدار 25% بين 2021 و2024، مسهمةً مباشرة في استمرار الفتيات في الوسط القروي في متابعة دراستهن. والبنى التحتيّة تعززت خلال عشرية الإصلاح، والتوظيفات في صفوف هيئة التدريس حافظت على زخمها منذ أن بدأ التوظيف بالتعاقد سنة 2016.
لكن في أهداف الأثر، الإخفاق واضح ولا يعكس حجم الإمكانات المرصودة لقطاع التعليم. في القراءة، لا يتقن الأساسيّات سوى أقل من 40% من التلاميذ، بينما كانت خارطة الطريق 2022-2026 تطمح إلى 82%. ونتائج TIMSS 2023 تراجعت بشكل مقلق: 18% فقط من تلاميذ الإعدادي يبلغون الحدّ الأدنى في العلوم، مقابل النصف تقريباً في 2019. والهدر المدرسي، بدلاً من الانحسار، يستقرّ حول 276 ألف طفل سنة 2025، بل ارتفع بنحو 60 ألفاً مقارنة بـ2021 عندما كان حينها لا يصل إلى 220 ألفا. وإلغاء المساعدة الشرطيّة « تيسير » وتعويضها بالدعم الاجتماعي المباشر زاد الطين بلّة: فبحسب المرصد الوطني للتنمية البشريّة، 29,3% من التلاميذ مهدّدون بالهدر بعد هذا الإلغاء.
أما نموذج « المدارس الرائدة »، فرغم وعودها، فقد بدأ يظهر حدوده: فإذا كان 60 إلى 70% من التلاميذ المتعثّرين يستدركون تعثراتهم الدراسية خلال مرحلة الدعم البيداغوجي، فإن هذه المكاسب لا تُحفظ بعد مرحلة التدريس الصريح. والأهم، أن نتائج المدارس الرائدة، وفق الاختبار التجريبي لـPIRLS 2026 الذي أجرته الوزارة في 2025، تكاد تكون مماثلة لنتائج المدارس غير الرائدة. فعالية السياسات إذاً انتقائيّة: مثبتة بالنسبة للسياسات البسيطة والمعنية بالوسائل– النقل المدرسي والبناء مثلا– وضعيفة بالنسبة للسياسات المعقّدة الرامية إلى تحويل البيداغوجيا وجودة التعلّمات.
فنّ المراجعة العسير: بين الإنكار والتعديل
المؤشر الرابع، 2.2.4، يقيس قدرة النظام التربوي على مراجعة سياساته بناءً على التقييمات وارتجاعات الميدان. إنه ميزان رشاقته وتواضعه. وهنا أيضاً، الحصيلة متباينة. لقد تمّت مراجعات كبرى من طرف الحكومة خاصة في الولاية الحكومية الأخيرة. وهكذا تمت إعادة النظر في النظام الأساسي الموحّد للأساتذة تحت ضغط الحركات الاجتماعيّة التي تزعمتها التنسيقيات. وفي مواجهة النتائج المقلقة للتلامذة المغاربة في التقييمات الدولية والوطنية لمكتسبات المتعلمين عرفت طرائق التدريس تحولات واضحة من خلال اعتماد منهجية للدعم البيداغوجي قادمة من الهند، تقنية التدريس الصريح تحت إشراف خبرة كندية.
لكن هذه المراجعات غالباً ما كانت ثمرة ضغوط سياسيّة أو اجتماعيّة، لا بفعل تجذر ثقافة تقويم حقيقيّة. فالانتقال من الرؤية الاستراتيجية 2030 إلى خارطة الطريق 2022-2026، التي أحلت لنموذج التنموي الجديد مكان القانون الإطار 51.17، لم يُبرّر بأيّ تقييم دقيق. لقد كان بمثابة خيار سياسي متعمّد، دون أساس برهاني. واعتماد التدريس الصريح لم يتمّ على أساس تقييم الممارسات السابقة، التي كانت تنتمي إلى المدرسة السوسيو-بنائيّة على الأقل نظريا. إن دورة التحسين المستمرّ، حين تنطلق في بعض المرات القليلة، تكون بطيئة وقليلة التكرار. والنظام التربوي يفتقر إلى الرشاقة لتعديل خططه العمليّة بسرعة. فالانتقادات المتكرّرة حول ثقل المناهج على سبيل المثال، لم تؤدِّ إلى مراجعة عميقة للمنهاج، الذي تعود آخر مراجعته الكبرى إلى 2002 مع الكتاب الأبيض.
الخلاصة: على المغرب أن يتعلّم كيف يعالج
التشخيص واضح، لكن الوصفة تتأخّر. المغرب مشخّص جيّد، لكنه معالج رديء لمدرسته. إنه يعرف أين تكمن الآلام وتسكن الأوجاع، ويملك أدوات قياسها، لكنه يعجز عن وصف العلاجات المناسبة، في الوقت المناسب، بالجرعة المناسبة، ومع التنسيق الضروري. لكي يصبح المعيار الثاني « محقَّقاً » بالكامل، يجب تحويل ثقافة المعطيات إلى ثقافة الفعل، والتنسيق النازل إلى تعاون أفقي، والمراجعة السياسيّة إلى تعديل مستمرّ تسنده التقييمات الموضوعية.
الطريق لا يزال طويلاً، لكن الوعي بحقيقة الخلل هو الخطوة الأولى، بل هي الأهم، على درب الإصلاح. والوعي، اليوم، يقول لنا إن المنظومة التربويّة المغربيّة تملك الأدوات للإصلاح، لكنها تفتقر بعد إلى اليد التي تستعملها برشاقة وفعالية. حان وقت الانتقال من التشخيص إلى الشفاء.
المصدر: اليوم 24



