حماس: الخصومة مع العرب
العلاقة بين حركة حماس وإيران بدأت في وقت مبكر من خلال زيارة وفود من الحركة إلى طهران أفضت فيما بعد إلى صياغة البرلمان الإيراني ما سمي في حينه ” قانون حماية الثورة الإسلامية للشعب الفلسطيني” وذلك في 9 أيار مايو 1990 وبذلك دخلت حماس تحت المظلة الرسمية الإيرانية، وبذلك أيضاً أصبحت إيران بحسب قوانينها الداخلية بمثابة قوة مؤثرة في المشهد السياسي الفلسطيني. ثم تلا ذلك انعقاد مؤتمر دعم الانتفاضة الفلسطينية والذي جاء تحت اسم ” المؤتمر الدولي لدعم الثورة الإسلامية للشعب الفلسطيني” والذي عُقد بين 19-22/10/1991 في طهران. وليأتي المؤتمر الإيراني في توقيت حساس وذلك قبيل انطلاق مؤتمر مدريد للسلام بأيام وهو المؤتمر الذي انطلق في 30 أكتوبر من نفس السنة، ثم يلي ذلك الإعلان الإيراني عن افتتاح ممثلية رسمية لحركة حماس في طهران، والتي اكتملت الجوانب اللوجستية بإعلانرسمي عن افتتاحها في مارس آذار سنة 1992 وبذلك أسست حركة حماس أول مكتب تمثيل لها في الخارج.
مجمل هذه الأحداث كلها حدثت قبل واقعة مرج الزهور والتي أبعدت إسرائيل خلالها 415 من الفلسطينيين بينهم قيادات من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، والتي جاءت في 17 ديسمبر كانون الأول 1992 والتي أبقت عدداً من قادة الحركة في الخارج قبل إعادة معظم المبعدين نتيجة للضغوط الدولية، وهنا تأتي الإشارة إلى هذا التوقيت مهمة، فالجناح الخارجي لحركة حماس أسس العلاقة مع إيران قبل واقعة مرج الزهور وبصورة أكثر دقة، إن العلاقة بين حماس وإيران اكتملت فصولها عندما كانت الضفة وغزة تحت الاحتلال بالكامل، وبذلك لا تصح رواية حماس التي تم استحداثها مؤخراً والتي تقول “إن الخذلان العربي والإسلامي هو الذي دفع الحركة للتحالف الوثيق مع إيران” فحركة حماس عندما تحالفت مع إيران لم تكن تسيطر على شبر واحد من فلسطين، وكانت مجرد خلايا مثل أي تنظيم فلسطيني آخر، وبالتالي عندما تقول حماس في وقت متأخر أن العرب خذلوها فهذا يعني أن الحركة لم تحسنصناعة الرواية المضللة بشكل جيد، فالعلاقة بين حماس وإيران كانت قبل مؤتمر مدريد للسلام 1991 وقبل مجيء اتفاقية أوسلو 1993 التي سمحت فيما بعد لحركة حماس بالظهور العلني بعدما تحررت غزة وأجزاء من الضفة بسبب تلك الاتفاقية. وفي الوقائع التاريخية أن حماس استغلت وصول السلاح اليها وكان أول ما فعلته وتشريع الاقتتال الداخلي ثم الانقلاب على السلطة الفلسطينية،والاستفراد في حكم غزة منذ عام 2007 ثم الانتقال من حرب الى حرب حتى جاء السابع من أكتوبر بنتائجه الكارثية على الشعب الفلسطيني، والتي لم تنته حتى اللحظة سواء في غزة أو الضفة، وبالذات مخيمات الضفة التي لا يزال سكانها في العراء منذ يناير 2025 وترفض إسرائيل عودتهم حتى اللحظة.
عملياً في خطاب حماس الحالي تحاول الحركة الهروب من المساءلة عبر إعفاء نفسها من المسؤولية عن عموم الكوارث التي سببتها للشعب الفلسطيني منذ أن بدأ تشكيل هذه الحركة وصولاً إلى انضوائها لتنفيذ مشاريع خارجية لا تحمل أي صبغة وطنية، فمسألة إلقاء اللوم على الدول العربية انطلاقاً من المنهج الإخواني القائم على صناعة الرواية المضللة بغية تبرير الخصومة التي تحتاجها الجماعة في سلوكها اليومي بهدف الحفاظ على استمرارية المنهج الذي انطلقت منه، ومن خلال هذا المنهج تصبح الكوارث التي افتعلوها منسية كما في غزة، بينما تصبح موجة التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطينيوالاعتراف بحقوقه هي من منجزات الجماعة، ما يعني أنه لا حقائق ثابتة ولا نصوص ولا شواهد ولا أي شيء يمنع هذه الجماعة من صياغة رواية مضللة، تتكرر تباعاً يساهم فيها قطاع واسع من نخبها بهدف صناعة صورة مغايرة في الأذهان.
ما أرادته حماس والجماعة من إيران حصلوا عليه، فقد امتلكت حماس السلاح وضربت السلطة الفلسطينية بالصميم، ومنعت استكمال اتفاقية أوسلو وساهمت في صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، وانتقلت من حرب استنزاف الى حرب كان نتاجها خلال العقود الماضية قرابة 400 ألف قتيل وجريح ومفقود وعشرات الالاف من المعتقلين، ولكن ما أرادته إيران من حماس حصلت عليه، عبر منحها مبررات التدخل في المنطقة من خلال المليشيات التي قامت ونشأت وتدربت على قاعدة واحدة وهي المساس بالأمن القومي العربي تحت ذريعة تحرير القدس.
المصدر: العربية – سياسة


