حين يتقدم هرمز على فلسطين: التفكير الاستراتيجي الآسيوي بعد 3 سنوات من طوفان الأقصى
Backملخص الخبر
- تعدت أولويات القوى الآسيوية قضايا فلسطين لتشمل تأمين مضيق هرمز وتأمين سلاسل إمداد الطاقة بعد حروب 2025 و2026.
- تتبنى الصين رؤية تركز على أفول الهيمنة الأمريكية مع تفضيلها لسياسة خفض الحرارة وتأمين استقرار توريد النفط.
- تعتمد الهند استراتيجية المصالح المباشرة التي دفعتها للموازنة بين دعم إسرائيل وتأمين ممرات التجارة والغاز في الخليج.
- أظهرت التحولات الأخيرة أن القوى الآسيوية لم تكن مستعدة بعد لتحمل العبء العسكري المباشر لتأمين الممرات المائية.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
اعتاد التحليل العربي أن يسأل كيف تنظر واشنطن وبروكسل إلى منطقتنا، وأن يعامل آسيا رصيداً احتياطياً يُستدعى كلما خاب الرهان على الغرب.
غير أن السنوات الثلاث التي تلت السابع من أكتوبر 2023 اختبرت هذا الرصيد اختباراً قاسياً.
حرب غزة، ثم أزمة البحر الأحمر، ثم حربا 2025 و2026 على إيران وإغلاق مضيق هرمز، والحرب الجارية الآن بين السعودية والحوثيين، كلها جرت على الطرق التي يمر منها نفط آسيا وعمالتها وتجارتها، ومع ذلك لم تتقدم قوة آسيوية واحدة لتملأ فراغاً أو تضمن أمناً. والسؤال هنا ليس عمّا فعلته آسيا، وإنما عن الكيفية التي فكّر بها استراتيجيوها، ولماذا جاء تفكيرهم على الشكل الذي جاء عليه؟
الأطروحة التي أقدمها هنا أن الفكر الاستراتيجي الآسيوي لم يقرأ هذه الحروب باعتبارها حروباً على الشرق الأوسط، وإنما بوصفها مرآة لأسئلته هو.
لقد قرأها بثلاث عدسات متمايزة.
الأولى، عدسة النظام الدولي، وتمثلها الصين أوضح تمثيل، وترى في الحروب فصلاً من أفول الهيمنة الأمريكية.
والثانية، عدسة الممرات والإمدادات، ويتقاسمها الجميع لكنها تغلب على الهند واليابان وكوريا الجنوبية.
والثالثة، عدسة الهوية والشرعية، وتحكم قراءة المجتمعات المسلمة في جنوب وجنوب شرق آسيا.
ولا تُفهم أي عدسة إلا بموقع صاحبها من ثلاثة أشياء: سلسلة الطاقة، والعلاقة بالولايات المتحدة، والصراع الذي يخوضه في جواره المباشر.
وكانت حرب 2026 على إيران نقطة التحول، إذ تقدّمت هرمز على فلسطين في سلم الأولويات في كل العواصم تقريباً.
الصين: النظام الدولي بلا أعباء الهيمنة
بدأت القراءة الصينية حاسمة في توصيف الجذور.
بعد هجوم حماس بيومين كتب نيو شينتشون، أحد أبرز المتخصصين الصينيين في المنطقة، أنه «حيثما يوجد احتلال عسكري ستوجد حتماً مقاومة مسلحة»، كما في الترجمة الإنجليزية لمقاله.
لكن الإجماع لم يكن تاماً، فقد رصد مرصد تشاينا ميد خلافاً بين من قرأ الهجوم رفضاً عنيفاً لموجة التطبيع، ومن رأى التقارب العربي الإسرائيلي «حتمياً» مهما تأخر.
وهذا الخلاف يكشف أن بكين لم تراهن على مسار بعينه، فقد كانت مستفيدة من التطبيع ومن تعثره معاً.
ومع حرب 2026 ارتفعت نبرة الخطاب الرسمي إلى درجة غير معتادة.
وصفت الخارجية الصينية مقتل خامنئي بأنه «يدوس على مقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه»، ونقلت عن الوزير وانج يي أن «العالم لا يمكن أن يعود إلى شريعة الغاب». غير أن إحاطة الثاني من مارس أضافت في الجملة نفسها التي أدانت فيها الضربات، أن سيادة دول الخليج «ينبغي أن تُحترم بالكامل أيضاً».
هذا التوازن هو مفتاح القراءة الصينية كلها، فالصين تشتري نفطها من ضفتي الخليج معاً.
وتكشف كتابات ليو تشونجمين، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، كيف تطورت القراءة الأكاديمية تحت ضغط الوقائع.
ففي مقاله «انقسام شرقين أوسطين» في يناير 2026 رأى أن المواجهة والتفكير الصفري «تشكل الثقافة الاستراتيجية المتجذرة في الشرق الأوسط».
وفي 23 فبراير وصف الولايات المتحدة بأنها صار لها «أثر هدّام» في النظام الدولي، لكنه توقّع أن يظل أي صراع أمريكي إيراني «محدوداً»، وبعد خمسة أيام بدأت الحرب.
وهذا الإخفاق يستحق التسجيل، لأنه يكشف أن جزءاً من النخبة الصينية قلّل من استعداد واشنطن للتصعيد. ثم عاد في يونيو، في مقاله على موقع قوانتشا، ليتوقع نظاماً إقليمياً بثلاثة مراكز، سني وشيعي وإبراهامي، بينما كتب نيو شينتشون، أحد أبرز الخبراء والباحثين الاستراتيجيين الصينيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، أن «الولايات المتحدة خسرت حرباً إقليمية أخرى» وأن مبدأ حرية الملاحة المعمول به منذ 1945 “انهار”.
غير أن البلاغة عن الأفول الأمريكي لا تعني أن بكين تريد وراثة الدور.
الصياغة الأدق قدّمها تشاو لونج نائب مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والأمنية الدولية، في مقال نشرته بروكينجز في أغسطس 2026، إذ كتب أن «مصلحة الصين في إنهاء الحرب هي في جوهرها مصلحة في الاستقرار»، وأن واشنطن تبالغ في تقدير قدرة الصين على «صنع السلام»، وأن دور بكين المفضل هو “خفض الحرارة وإبقاء القنوات مفتوحة”.
وكان الرد الصيني العملي على هبوط واردات الخام هو تنويع الطرق البرية عبر آسيا الوسطى وقزوين والقطب الشمالي، أي تقليل الاعتماد على المنطقة لا الانخراط فيها.
وعلاقة هذه القراءة بموقف الدولة مباشرة.
الصين أكبر مستورد لنفط الخليج وإيران معاً، فلا مصلحة لها في انتصار طرف على آخر.
وصراعها الأساسي مع واشنطن يجري في المحيط الهادئ، فكل انشغال أمريكي في المنطقة مكسب صامت لها.
وخطابها عن «الجنوب العالمي» يحتاج إلى فلسطين رمزاً، لكنه لا يتطلب وفق ما ترى تحمل كلفتها.
ولذلك ربحت الصين الرأي العام العربي، إذ يفضّلها الفلسطينيون على الولايات المتحدة بنسبة 39% مقابل 9% بحسب استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، لكنها لم تربح موقع الحامي، ولم تطلبه.
الهند: مدرسة المصالح حال تعارضها
إذا كانت الصين قرأت الحدث بعدسة التنافس في النظام الدولي، فقد قرأته الهند بعدسة المصالح، ثم اكتشفت أن المصالح نفسها تتعارض.
وصف مشاركون في ورشة لمؤسسة كارنيجي تغريدة رئيس الوزراء مودي يوم الهجوم بأنها «استدارة متسرعة نحو إسرائيل».
وبلغ هذا المسار ذروته حين وقف مودي في الكنيست قبل الحرب على إيران 2026 بثلاثة أيام ليقول إن «الهند تقف مع إسرائيل بثبات في هذه اللحظة وما بعدها»، والهند أكبر مشترٍ للسلاح الإسرائيلي.
ومنح سي. راجا موهان- أحد أهم المنظرين المعاصرين لتحولات الدبلوماسية الهندية- هذا التحول عنوانه النظري حين كتب أن الهند صارت لها في الشرق الأوسط “دبلوماسية مصالح لا شعارات”
ما لم تحسبه هذه المدرسة أن «المصالح» التي ترفعها تقع في معظمها في الخليج لا في إسرائيل.
ففي دول الخليج نحو تسعة ملايين هندي يحوّلون قرابة خمسين مليار دولار سنوياً، ويمر عبر هرمز ما يصل إلى 60% من نفط الهند وأكثر من 80% من غازها.
وتحت هذا الضغط عادت نيودلهي إلى الموازنة، فبعد أن نأت بنفسها في يونيو 2025 عن بيان منظمة شنجهاي الذي أدان الضربات على إيران، وقّعت في سبتمبر 2026 على إعلان بيشكيك الذي يدين “الضربات العسكرية على الأراضي الإيرانية”.
ثم جاءت الصدمة من حيث لم تحتسب، وقّعت السعودية مع باكستان اتفاقاً للدفاع المشترك، اتسع لاحقاً ليضم تركيا، وصارت إسلام آباد وسيط الحرب.
وهنا انقسم الفكر الهندي انقساماً كاشفاً، قال راجا موهان في حوار مع موقع ذا برينت إن المشكلة هي «انعدام الأمان لدى نخبتنا وقلقها الدائم مما تفعله باكستان»، ودعا في ورقة لمعهد دراسات جنوب آسيا في سنغافورة إلى الانتقال من «تأكيد المبادئ» إلى المشاركة في حوكمة المضيق، معترفاً بأن أياً من القوى الآسيوية “ليست مستعدة بعد لتحمل جزء من العبء العسكري لإبقاء هرمز مفتوحاً”.
وفي المقابل كتب براتاب بهانو ميهتا- أحد أبرز المفكرين السياسيين الناقدين للسياسة الحالية- أن الهند «لم تكن تملك النفوذ ولا التحالفات ولا القدرة الدبلوماسية كي تتوسط»، ووصفت المعارضة رحلة مودي بأنها أوحت بـ”اصطفاف منحاز ومباركة ضمنية”.
ودوافع القراءة الهندية مركّبة.
الأول عقائدي داخلي، فالقومية الهندوسية الحاكمة ترى في إسرائيل نموذجاً لدولة قومية دينية تخوض حرباً على «الإرهاب الإسلامي».
والثاني ثنائي، فكل شيء في الإقليم يُقرأ في نيودلهي بميزان باكستان.
والثالث مادي، فالعمالة والتحويلات والنفط تشد الهند إلى العواصم العربية.
والانحياز لإسرائيل خدم الدافع الأول وأضرّ بالثاني والثالث.
باكستان: عدسة الفرصة
باكستان أوضح الرابحين الآسيويين، لأنها قرأت الحرب علي إيران بعدسة الفرصة لا بعدسة المبدأ.
في يوم الحرب الأول أدان بيان خارجيتها «الهجمات غير المبررة» على إيران، وأدان «بشدة» في النص نفسه الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن.
هذا هو التوازن الصيني نفسه، لكن من دولة تربطها بالرياض معاهدة دفاع وبطهران حدود تقارب تسعمئة كيلو متر. ثم استضافت مفاوضات إسلام آباد، وكتب أسفنديار مير- الباحث الأمريكي ذي الأصول الباكستانية- في فورين أفيرز أن «باكستان كسبت الحرب في إيران»، بعد أن جمع قائد الجيش عاصم منير بين الاتفاق الدفاعي مع السعودية وتعزيز القنوات مع طهران. ووصفت رويترز هذا التحول بأنه انتقال من «منبوذ دبلوماسي» إلى وسيط.
ولا تخلو القراءة الباكستانية من أصوات أكثر تحفظاً. قالت مليحة لودهي، وهي واحدة من أشهر وأبرز الدبلوماسيات والمفكرات السياسيات في تاريخ باكستان المعاصر، في مقابلة مع بلومبرج إن الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط «انتهت عملياً»، لكنها كتبت في صحيفة دون أن مذكرة إسلام آباد «تجمّد الحرب» وأن «الجزء الصعب لا يزال أمامنا».
ولاحظ المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن باكستان «لم تأتِ لنجدة السعودية في المرحلة الأولى من الحرب» رغم اتفاق الدفاع.
والصلة بموقع الدولة واضحة: باكستان تحتاج المال الخليجي، وتجاور إيران، وفيها أقلية شيعية واسعة، وتريد استعادة مكانتها في واشنطن، وتبحث عن رافعة في صراعها مع الهند.
والوساطة كانت الصيغة الوحيدة التي تخدم هذه الحاجات جميعاً.
جنوب شرق آسيا: حين تهزم الهوية الحسابات
في جنوب شرق آسيا ذي الأغلبية المسلمة كانت غزة قضية رأي عام قبل أن تكون قضية استراتيجية.
وجد استطلاع معهد إيسياس لعام 2024 أن الصراع صار «الشاغل الجيو سياسي الأول» في الإقليم، وأن الصين تقدمت على الولايات المتحدة شريكاً مفضلاً للمرة الأولى.
وسمّى الباحث إيان ستوري أبرز المتخصصين الدوليين في قضايا الأمن الإقليمي والدولي في منطقة جنوب شرق آسيا، الحرب على إيران «حرب الخليج الثالثة»، ورأى أنها قد تدفع دول الإقليم إلى إعادة ضبط علاقاتها بالقوى الكبرى.
وأوضح ما في هذا الإقليم قصة إندونيسيا.
تعهد الرئيس برابوو سوبيانتو في فبراير 2026 بإرسال ما يصل إلى ثمانية آلاف جندي إلى قوة الاستقرار في غزة، فحذّر مجلس العلماء الإندونيسي من الوقوع في «فخ أجندة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية»، واضطر الرئيس إلى لقاء قادة نهضة العلماء والمحمدية والتعهد بالانسحاب من «مجلس السلام» إن لم يخدم الفلسطينيين، ثم وُضع التعهد «على الرف إلى أجل غير مسمى». وتنقل فورين بوليسي أن أغلبية عارضت عضوية المجلس.
هذه أوضح حالة آسيوية هزمت فيها سياسة الهوية رغبة حاكم في التقرب من واشنطن.
ومثلها وإن بدرجة أقل، لقاء أنور إبراهيم بقادة حماس رغم القلق الأمريكي.
أما سنغافورة، حيث تجتمع عدسة الممرات بعدسة النظام، فتكشف قراءتان متجاورتان الخلاف حول معنى الحرب. يرى كيشور محبوباني – أحد أبرز المنظرين للنظام الدولي- في مقابلة مع بلومبرج أن «كل حرب تخوضها الولايات المتحدة، وبخاصة في الشرق الأوسط، هدية للصين»، وكان قد قال في حوار سابق إن حرب غزة «أضعفت مكانة الغرب أكثر من أي حدث قريب آخر». أما بيلاهاري كاوسيكان، الدبلوماسي والمفكر الاستراتيجي السنغافوري البارز، فيقرأ الحرب بواقعية أبرد، إذ وصف المنطقة بأنها «إقليم المعضلات القاسية»، وحذّر من أن تغيير النظام “لا يعني بالضرورة وضعاً أفضل لإيران”.
الرجلان يشتركان في اعتماد بلدهما على البحار المفتوحة، ويفترقان في قراءة أمريكا، فالأول يرى أفولاً والثاني يرى ردعاً متعثراً.
شرق آسيا وآسيا الوسطى: المضيق
أوضح نموذج لعدسة الممرات الخالصة هو اليابان. يذكر تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الشرق الأوسط يوفر 94% من واردات اليابان من الخام، وأن طوكيو رفضت طلباً أمريكياً بالمشاركة في مرافقة الناقلات، لأن الوضع لا يرقى إلى «حالة تهدد البقاء» التي يسمح فيها قانونها بالدفاع الجماعي.
وسارت كوريا الجنوبية في الاتجاه نفسه، فأعلن الرئيس لي جاي ميونج أنه «لن يكون هناك أي نشر ينطوي على مشاركة في الحرب».
أي أن أقرب حليفين لواشنطن في آسيا قرآ الحرب مسألة طاقة وقانون داخلي لا مسألة تحالف.
وعلى الطرف الآخر قرأت كازاخستان الحدث بعدسة الفرصة، فانضمت إلى اتفاقات إبراهام، لأن دولة محصورة بين روسيا والصين تبحث عن قناة إلى واشنطن، والتطبيع صار ثمناً رخيصاً لهذه القناة.
ويكشف سلوك المؤسسات الجماعية حدود الحديث عن «كتلة آسيوية».
فمجموعة بريكس تحت الرئاسة الهندية صمتت أسبوعاً كاملاً بعد الضربات، وانتهى اجتماع وزراء خارجيتها من دون بيان مشترك، لأنها تضم الإمارات والسعودية اللتين استهدفتهما إيران، والهند القريبة من إسرائيل، وإيران نفسها.
القراءة الاستراتيجية ومحدداتها
تلتقي القراءات الآسيوية على ثلاث مسائل: أن الشرق الأوسط عندها «غرب آسيا»، أي طرف لقارة أوسع ومصدر للطاقة وسوق للعمالة وممر للتجارة؛ وأن المضائق صارت قلب التحليل وأن أمنها لم يعد مضموناً بالقوة الأمريكية؛ وأن أحداً في آسيا لم يعرض نفسه بديلاً أمنياً.
فالصين تريد الاستقرار بلا ضمانات، واليابان وكوريا ترفضان الانخراط، والهند تحمي رعاياها لا الممرات، وباكستان تتوسط ولا تقاتل.
ويفترق الآسيويون في الموقف من إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ويمكن رد هذا الافتراق إلى ثلاثة محددات تربط القراءة بموقف الدولة.
أولها موقعها في سلسلة الطاقة، فكلما زاد الاعتماد على هرمز زاد الحرص على التهدئة وقل الحماس للمحاور. وثانيها الصراع الأقرب إليها، فالهند ترى المنطقة بعين باكستان، وباكستان بعين الهند، والصين بعين الولايات المتحدة، وكازاخستان بعين روسيا والصين معاً.
وثالثها السياسة الداخلية والهوية، وهي التي جعلت غزة قضية تُسقط قراراً رئاسياً في جاكرتا، وتجعل إسرائيل نموذجاً في خطاب القوميين الهندوس.
فالفكر الاستراتيجي هنا لا يسبق الموقف ويصنعه بقدر ما يبرره ويعقلنه، وحين يتعارض معه، كما حدث لمدرسة المصالح الهندية، تكون الوقائع هي التي تصحح الفكر لا العكس.
ما الذي يعنيه ذلك لنا؟
الدرس الأول أن آسيا ليست مرشحة- كما يعتقد البعض- بديلاً عن الغرب في هندسة أمن المنطقة، وأن الرهان العربي على «التوجه شرقاً» رهان على شريك تجاري وسياسي لا على مظلة أمنية، والصين نفسها تقول ذلك على لسان باحثيها.
والدرس الثاني أن العرب لا يحضرون في الحساب الآسيوي فاعلين بقدر ما يحضرون موردين للطاقة ومستضيفين للعمالة، وهذا امتداد للغياب الذي تشترك فيه القراءات الغربية، أي غياب المجتمعات ومطالبها عن خرائط الاستراتيجيين.
والمفارقة أن الحالة الآسيوية الوحيدة التي غيّر فيها المجتمع القرار جاءت من مجتمع مسلم يتضامن مع شعب عربي، لا من حكومة تحسب مصالحها.
والدرس الثالث أن تعدد العدسات الآسيوية فرصة لا خيبة. فالدولة العربية التي تدرك أن الهند تخشى باكستان، وأن الصين تخشى الاضطراب، وأن اليابان وكوريا تخشيان المضيق، وأن إندونيسيا مقيدة بشارعها، تستطيع أن تبني مع كل منها علاقة على قدر حاجته.
غير أن ذلك يقتضي أن تملك هي قراءتها الخاصة لإقليمها، وألا تستعير من الآخرين تعريفهم له.
فآسيا تعرف ما تريده من الشرق الأوسط، والعرب لم يحسموا بعد ما يريدونه من آسيا
<p>The post حين يتقدم هرمز على فلسطين: التفكير الاستراتيجي الآسيوي بعد 3 سنوات من طوفان الأقصى first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360