حيوان ينافس مغني الأوبرا ويكشف سراً صوتيا أدهش العلماء
يعيش حيوان صغير يمتلك موهبة صوتية غير متوقعة في أعماق الغابات المطيرة الكثيفة في مدغشقر، حيث تحجب الأشجار الكثيفة الحيوانات عن بعضها ولا تسمح برؤية تتجاوز بضعة أمتار، إنه الإندري، وهو أكبر أنواع الليمور الحية، والنوع الوحيد المعروف من الليمور الذي يغني. وقد اكتشف العلماء أن هذا الحيوان يستخدم، عند إطلاق النغمات العالية، تقنية صوتية تشبه بصورة لافتة ما يفعله مغنو الأوبرا المحترفون.
ووجدت الدراسة الجديدة، التي أعدها باحثون من جامعتي وورويك البريطانية وتورينو الإيطالية، ونُشرت في مجلة PLOS Computational Biology، أن الإندري يفتح فمه بدرجة أكبر كلما ارتفع تردد النغمة التي يصدرها. ويعتقد الباحثون أن هذه الحركة تساعد على ضبط شكل مجرى الصوت، بحيث تتوافق رنيناته مع تردد الصوت وتجعله أكثر قوة وقدرة على الانتشار داخل الغابة. وتعرف هذه الظاهرة في علم الصوتيات باسم “ضبط الرنينات” (Formant tuning).
وللوصول إلى هذه النتيجة، حلل الفريق 83 تسجيلًا مصورًا ل19 إندري بريًا في غابات مدغشقر، من بينها غابة ماروميزاها ومحمية ميتسينجو. واستخدم الباحثون تقنيات تتبع للحركة دون الحاجة إلى وضع أي أجهزة على الحيوانات، فتابعوا مواضع الشفتين وحركة الفم إطارًا بإطار، ثم قارنوا هذه الحركات بالتسجيلات الصوتية المتزامنة. وأظهرت التحليلات علاقة واضحة بين ارتفاع النغمة واتساع فتحة الفم.

وتكمن أهمية الاكتشاف في أن الأمر لا يتعلق بمجرد إصدار صوت أعلى. فعندما يفتح الإندري فمه بصورة أوسع أثناء النغمات الأعلى، يتغير شكل “الأنبوب” الذي يمر عبره الصوت، وهو ما يمكن أن يعزز بعض الترددات ويجعل الصوت أكثر قدرة على الوصول إلى مسافات بعيدة.
وهي آلية تشبه، من حيث المبدأ، الطريقة التي يضبط بها مغني الأوبرا شكل فمه ومجرى صوته عند الوصول إلى النغمات العالية.
ولا يغني الإندري لمجرد الاستعراض. فالأغاني تؤدي وظيفة اجتماعية مهمة للغاية؛ إذ تستخدم المجموعات أصواتها بصورة أساسية لتحديد الأراضي وإبلاغ المجموعات الأخرى بوجودها. وفي غابة كثيفة يستحيل فيها تقريبًا التواصل البصري لمسافات طويلة، يصبح الصوت وسيلة فعالة لتحديد المواقع والحفاظ على المسافات بين المجموعات، وربما تجنب مواجهات مباشرة على الموارد.
كما تستخدم هذه الحيوانات الغناء للحفاظ على التواصل بين أفراد المجموعة. فقد لاحظ الباحثون أن الإندري قد يصدر أغاني مختلفة عندما ينفصل أفراد المجموعة عن بعضهم، بما يساعدهم على العثور على بعضهم في البيئة الحرجية الواسعة. ووصف الباحثون أصوات الإندري بأنها تقع، بالنسبة للأذن البشرية، في مكان ما بين العويل وصفارة الإنذار؛ فهي طويلة وقوية، ترتفع وتنخفض نغماتها، لكنها في الوقت نفسه منظمة للغاية.
والأكثر إثارة أن التشابه بين الإنسان والإندري لا يعني أن الحيوان تعلم تقليد البشر. فالسلالتان انفصلتا تطوريًا عن سلف مشترك قبل نحو 74 مليون سنة، ولذلك يرجح العلماء أن التشابه في طريقة إنتاج الصوت يمثل مثالًا على التطور التقاربي؛ أي أن نوعين مختلفين يطوّران بصورة مستقلة حلولًا متشابهة لمشكلة واحدة، وهي هنا كيفية إرسال إشارة صوتية لمسافة بعيدة.
لكن وراء هذا الاكتشاف المثير قصة أكثر قلقًا. فالإندري يعيش طبيعيًا في مدغشقر، ويواجه تهديدات مرتبطة بتدمير موطنه وتجزئته، كما أن أعداده في انخفاض. ويشير الباحثون إلى أن الحفاظ عليه في البرية يظل أمرًا حاسمًا، خصوصًا أن هذا النوع أثبت صعوبة كبيرة في البقاء والتكاثر في الأسر.
وهكذا، فإن ما بدا للعلماء في البداية مجرد صوت غريب صادر من أعالي أشجار مدغشقر كشف عن آلية صوتية دقيقة تشترك، بصورة مفاجئة، مع إحدى أشهر تقنيات الغناء البشري. وفي الغابة التي يصعب فيها أن ترى جارك، يبدو أن الإندري وجد حلًا بسيطًا وفعالًا: إذا لم تستطع أن تُرى، فاجعل صوتك يصل أبعد.
المصدر: العربية



