دراسة: التمرين الكثيف يغيّر كيمياء الدم خلال ساعات
كشفت دراسة حديثة أن فترات قصيرة من التمارين عالية الكثافة يمكن أن تُحدث تغيرات واسعة في البروتينات والجزيئات الأخرى المنتشرة في مجرى الدم خلال الساعات التالية للتمرين.
وبحسب ما نشره موقع NPR نقلاً عن دراسة في دورية Cell Reports Medicine، رصد الباحثون استجابة جزيئية أكبر بعد تمارين العدو السريع مقارنة بتمارين أطول متوسطة الشدة، ما قد يساعد العلماء على فهم كيفية تأثير شدة الرياضة في أعضاء الجسم المختلفة.
وأجرى الدراسة فريق دولي من الباحثين في الولايات المتحدة وأستراليا والسويد. ولا تعني النتائج أن تمارين العدو السريع أو التدريب المتقطع عالي الكثافة، المعروف اختصاراً بHIIT، أفضل بالضرورة من التمارين المعتدلة التي يحافظ خلالها الشخص على جهد أكثر ثباتاً.
لكن الدكتور بول كوهين، الذي قاد مختبره في جامعة روكفلر الدراسة، قال إن البيانات تشير إلى أن بذل أقصى جهد خلال فترات قصيرة ومكثفة قد يؤدي إلى استجابات بيولوجية مميزة، يمكن أن تكون لها أهمية للصحة واللياقة البدنية.
تغيرات واسعة في الدم
في سلسلة من التجارب، جمع كوهين وزملاؤه عينات دم من شباب أصحاء قبل ممارسة الرياضة وبعدها، ثم فحصوا دماءهم لرصد التغيرات في آلاف البروتينات والمستقلبات، وهي جزيئات تنتج عن العمليات الكيميائية التي تجري داخل الجسم.
وفي إحدى التجارب، قسّم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين. أكملت الأولى 6 جولات من ركوب الدراجة بأقصى جهد، مدة كل منها 30 ثانية، مع 4 دقائق من الراحة بين كل جولتين. أما المجموعة الثانية، فمارست ركوب الدراجة بوتيرة معتدلة لمدة 90 دقيقة.
وعند تحليل العينات، وجد الباحثون أن مجموعة التمارين عالية الكثافة شهدت تغيرات جزيئية أكثر بكثير. وقال كوهين إن النتائج تشير إلى أن فترات الجهد الأقصى لها تأثير أكبر في إعادة تشكيل البيئة الجزيئية داخل مجرى الدم.
لكن الأهمية الصحية المباشرة لهذه التغيرات لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث. وللحصول على مؤشرات أولية، قارن الفريق النتائج بقاعدة بيانات لنحو 50 ألف شخص من البنك الحيوي البريطاني.
وأظهر التحليل أن عدداً من البروتينات التي تغيرت مستوياتها بعد التمارين عالية الكثافة ارتبط بمؤشرات أفضل لصحة القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي.
وفي جزء آخر من الدراسة، عرّض الباحثون خلايا دهنية لعينات دم جُمعت بعد ممارسة تمارين HIIT، ولاحظوا تغيرات في نشاط عدد من الجينات التي تشارك في تنظيم استقلاب الدهون والطاقة في الجسم.

وقت أقل.. لكن ليس للجميع
وتأتي الدراسة ضمن جهود أوسع في مجال الطب الدقيق لفهم كيفية استجابة الجزيئات الموجودة في الدم والعضلات والكبد والأعضاء الأخرى لأنواع التمارين المختلفة وشدتها.
وقال سكوت ترابي، مدير مختبر الأداء البشري في جامعة بول ستيت، إن العلماء باتوا يدركون بصورة أكبر مدى التنسيق الذي يحدث بين أعضاء الجسم أثناء ممارسة الرياضة، مشبهاً الدورة الدموية بطريق سريع يسمح لهذه الأعضاء بالتواصل.
وتشير النتائج، بحسب ترابي، إلى احتمال وجود فوائد مرتبطة بالتمارين عالية الكثافة لا توفرها الأنماط الأخرى بالطريقة نفسها. لكنه وخبراء آخرين يؤكدون أن تمارين HIIT قد لا تكون عملية أو مناسبة، وربما لا تكون آمنة، لجميع الأشخاص.
من جانبه، قال تود أستورينو، أخصائي فسيولوجيا التمارين في جامعة كاليفورنيا، إن الدراسات البشرية التي قارنت التمارين عالية ومتوسطة الشدة وجدت أنها متقاربة إلى حد كبير في العديد من مؤشرات اللياقة والصحة.

وأوضح أن الميزة الرئيسية للتمارين عالية الشدة قد تكون توفير الوقت، إذ يستطيع الشخص، إذا كان مؤهلاً صحياً لممارستها، الحصول على استجابات تدريبية فعالة خلال فترات أقصر.
وأشار أستورينو إلى بيانات بحثية تظهر أن أداء جولتين من العدو السريع يومياً، بإجمالي يقل عن 40 ثانية، يمكن أن يؤدي إلى تحسن ملحوظ في الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين “VO₂ max”، وهو مؤشر مهم للياقة القلبية التنفسية، خلال فترة تتراوح بين 6 و8 أسابيع.
ومع ذلك، لا تثبت الدراسة أن التغيرات الجزيئية التي تحدث بعد العدو السريع تؤدي مباشرة إلى الوقاية من أمراض القلب أو تحسين الصحة على المدى الطويل. فالنتائج تكشف ارتباطات واستجابات بيولوجية تحتاج إلى دراسات إضافية لتحديد آثارها الفعلية.
لكنها تقدم صورة أكثر وضوحاً عما يحدث داخل الجسم بعد ثوانٍ من الجهد المكثف، وتدعم توجهاً علمياً متنامياً نحو تصميم برامج رياضية أكثر دقة، تراعي اختلاف استجابة كل شخص للتمرين.
المصدر: العربية – منوعات





