دراسة تفضح “التنظير” داخل الشركات: هؤلاء الأقل كفاءة ولا يمكنهم اتخاذ قرار!

خلصت دراسة حديثة لجامعة كورنيل على عينة من 1000 موظف إداري، إلى أن أغلب من ينبهرون بالمصطلحات الرنانة الجوفاء، مثل: مواءمة الأهداف، وإعادة التموضع، وتمكين الكوادر، هم عادة أشخاص يضعف عندهم الأداء الذهني و العملي! و حذرت الدراسة من انتشار “دوامة الهراء الإداري” حيث تنتشر ثقافة المصطلحات البيروقراطية الرنانة الفارغة، و يكثر توظيف و ترقية من يرددون هذه المصطلحات بلا معنى أو هدف يمكن قياسه، مما يخلق دائرة مغلقة ينتشر فيها “الكلام الفارغ” أو “التنظير الأجوف” على حساب الكفاءة الحقيقية.
استخدام المصطلحات الإدارية الرنانة مثل “التفكير خارج الصندوق” و”القيادة التآزرية” لا يعكس بالضرورة ذكاءً أو احترافية، بل قد يشير إلى ضعف في التفكير التحليلي واتخاذ القرار.
أظهرت الدراسة، التي قادها عالم النفس التنظيمي شين ليتريل، أن الأفراد الذين ينجذبون إلى هذا النوع من “اللغة الشركاتية الفارغة” يميلون إلى أداء أضعف في المهام العملية والتحليلية، ما يعزز الشكوك القديمة لدى منتقدي هذه الظاهرة داخل بيئات العمل.
وخلصت النتائج إلى معادلة واضحة: كلما ازداد إعجاب الموظف بالمصطلحات الغامضة والمبالغ فيها، تراجع أداؤه المهني الفعلي، في مفارقة تكشف فجوة بين المظهر اللغوي والكفاءة الحقيقية.
وسع ليتريل أبحاثه السابقة حول الظاهرة، بعدما أظهر في دراسات سابقة أن من يروجون لهذه اللغة غالباً ما يقعون ضحيتها أيضاً، في دحض لفكرة أن “الخبير لا ينخدع بالكلام الفارغ”.
وسعى الباحث هذه المرة إلى قياس تأثير ذلك على الأداء الوظيفي، فطرح سؤالاً مباشراً: هل الانبهار بتعابير مثل “ابتكار متقدم” و”هندسة الحلول” يرتبط بقدرة أفضل أم أسوأ على أداء العمل؟
طور ليتريل مقياساً لما سماه “قابلية تقبل الهراء الإداري”، واعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوليد عبارات تبدو احترافية لكنها بلا معنى حقيقي، ثم طلب من أكثر من ألف موظف تقييمها إلى جانب اقتباسات حقيقية لرؤساء شركات ضمن قائمة “Fortune 500”.
اختبر الباحثون المشاركين عبر مقاييس متعددة شملت التفكير التحليلي والذكاء العملي واتخاذ القرار، إضافة إلى تقييم رضاهم عن وظائفهم وقياداتهم، قبل الوصول إلى نتائج لافتة.
وأظهر المشاركون الأكثر إعجاباً بهذه اللغة ميلاً أكبر لوصف قادتهم بـ”الملهمين”، كما بدوا أكثر رضا وظيفياً، إلا أن هذا الرضا جاء على حساب الأداء، إذ سجلوا نتائج أضعف في اختبارات الكفاءة الإدراكية والمهنية.
وحذرت الدراسة من أن هذه الظاهرة قد تتحول إلى حلقة مفرغة داخل الشركات، حيث يميل المنبهرون بالخطاب الفارغ إلى توظيف وترقية أشخاص يشبهونهم، ما يعزز انتشار نفس النمط من القيادة غير الفعالة.
نبه ليتريل إلى أن هذا المسار قد يقود إلى “دوامة موت إدارية”، تتفاقم فيها اللغة الغامضة على حساب الوضوح والفعالية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على جودة القرارات.
وأشار إلى أن هذه اللغة تؤدي إلى تواصل غير دقيق وقرارات سيئة، داعياً القادة إلى مواجهة الظاهرة بدلاً من تجاهلها، لكن دون اللجوء إلى حظر شامل للمصطلحات.
وأوضح أن “الهراء” أو “التنظير الأجوف” جزء من السلوك البشري، خاصة في البيئات التنافسية، وأن بعض المصطلحات الفنية قد تكون مفيدة إذا استخدمت بشكل صحيح، ما يجعل فرض حظر كامل أمراً غير عملي.
دعا بدلاً من ذلك إلى مكافأة السلوك المضاد لهذه الظاهرة، من خلال ترسيخ ثقافة التواصل الواضح والبسيط، وبدء ذلك من الإدارة العليا.
وشدد على أن استخدام القيادات للغة غامضة يدفع بقية الموظفين إلى تقليدها، مطالباً بالتركيز على تعريف المصطلحات بدقة، واستخدام جمل مختصرة ومباشرة، وتجنب الكلمات المبهمة.
اقترح استبدال العبارات العامة بخطوات واضحة، بحيث تتحول الرسائل من شعارات استراتيجية فضفاضة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ ومحددة زمنياً.
وأكد أيضاً أهمية تشجيع الموظفين على طرح الأسئلة وطلب التوضيح، مع مكافأة من يسهمون في تبسيط الأفكار وتحويل الغموض إلى خطط عملية.
أشارت الدراسة إلى أن مقياس “قابلية تقبل الهراء الإداري” لا يزال في طور التطوير، ولا يصلح حالياً للاستخدام كأداة تقييم داخل الشركات، رغم ما يقدمه من مؤشر مبكر لفهم الظاهرة.
وخلصت النتائج إلى أن اللغة المتكلفة ليست دليلاً على الأداء المرتفع، بل قد تكون إشارة معاكسة، ما يفرض على القادة التحرك مبكراً للحد من انتشارها قبل أن تتحول إلى ثقافة مؤسسية مهيمنة.
المصدر: العربية – اقتصاد