دروس في بناء الدولة الوطنية
قبل يومين فى مقال الأحد جرى التركيز على المشهد اليمنى فى محاولة استرجاع الدولة اليمنية الوطنية الموحدة والتى يجرى فيها المواجهة بين الحكومة الشرعية اليمنية وميليشيات جماعة الحوثيين الإجرامية فى حق الشعب اليمنى والشعوب العربية. الحقيقة الساطعة هى أن قيام الدولة الوطنية هو العلاج لكثير من الدول العربية التى نجحت فيها الميليشيات فى تقسيم الوطن الواحد والدفع دائما فى اتجاه الحرب الأهلية أو التهديد بها فى حالة حثها على تسليم السلاح للسلطة الوطنية ذات الحق الشرعى لاستخدام السلاح. الزمر فى هذا الشأن يحتاج العودة للأصول الفكرية بقيام الدول الوطنية.
الدول مثل الأفراد تتمثل فى أمور معتادة، الإقليم والشعب والسلطة السياسية؛ ولكنها تختلف فى كل شيء آخر. فلا توجد دولة تتطابق مع دولة أخرى فى وضعها «الجيو سياسى»، وكما يقال إن الإنسان لا يختار والديه فإن الدول لا تختار جيرانها بحرا كان أو برا. وما يجعل الدولة فريدة فى العصر الحديث هو نوعية «القومية» التى تحتويها حيث تضع هذه الحالة «شخصية» للدولة ونوعية تركيبها ليس فقط الجغرافى وإنما مع ذلك التاريخى والثقافى أيضا. هذه السمات الأخيرة تخلق الكثير من «الأكواد» و«الميمات» و«الشفرات» التى تجعل فى النهاية التمايز بين الأمم والدول منطقيا. فالحقيقة أنه جغرافيا لم يكن البريطانيون بعيدين كثيرا عن الفرنسيين بأكثر من مسافة ماء بحر المانش بين «كاليه» و«دوفر»؛ ولكن السمات القومية لدى البلدين مختلفة حيث جرى غزلها ونسجها عبر عمليات تاريخية مختلفة.
فى بريطانيا كان للتاج البريطانى دور كبير فى نسج الحالة «الإنجليزية» بما فيها من استقرار سياسى وحكمة فى فترة الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس أو فى فترة الدولة التى لا تطيق كثيرا البقاء تحت المظلة الأوروبية. فرنسا كانت هى التى لعبت دورا أساسيا فى تركيب الرابطة الأوروبية لأنها لم تتخلص من «التاج» فقط، وإنما فوقه نوع من التمرد الذى جاءت به الثورة الفرنسية التى كان على نابليون أن ينشر روحها وقوانينها ما بين باريس وموسكو. ألمانيا حاولت فى زمن «هتلر» أن تجعل هويتها مرتبطة بالعنصر «الآرى» وترسيم سموه، لكن المحاولة كانت فى النهاية فاشلة وما نجح كان الحاجة الألمانية إلى الاتحاد الذى جعلها واحدة من المتأخرين، مع إيطاليا، فى بناء القومية الخاصة بها على يد «ميترنيخ» و«مانزينى». الوحدة والتركيب هى التى جعلت ألمانيا مصممة على إعادة دولتها مرة أخرى بعد تقسيم الحرب العالمية الثانية؛ ومعها أن تكون الحارسة على بقاء الاتحاد الأوروبى حتى ولو استدعى الأمر تطويع التمرد الفرنسى، والزهو الإيطالى فى إطار موحد ليس بالقومية، ولا بالتقسيم؛ وإنما بمشروع تاريخى فلسفى وحضارى ربما يعود إلى اليونان فى قدمه.
أوروبا بالتأكيد ليست موضوعنا وإنما ما جرى للدولة العربية، وهروب الفكرة القومية منها إلى اتساع كبير عربى النزعة، أو اتساع أكبر إسلامى الهوى؛ وفى أحيان، وبديلا عن الاتساع كان الضيق فى تمنيات طوائف ومذاهب دينية. فى اللغة باتت «الوطنية» نوعا من التخصيص القومى للدول العربية لم تنشأ فقط من الحدود التى تركها الاستعمار أو الغزوات الأجنبية، وإنما لأنه فى حالات كانت نتاج قيادات ملهمة، واعتراف دولى لا شك فيه. التعلم من هذه التجارب المختلفة ضرورى لعلاج الدولة العربية التى أثقلتها الميليشيات المعتمدة على شعارات «المقاومة» و«الممانعة» والتى فى الواقع فإنها تعتمد على الطوائف فى الداخل، والسلاح والمعونة من الخارج. وكانت إيران هى التى تضغط من أجل تشكيل هذه التشكيلات والزج بها فيما عرف باسم «الدفاع المتقدم» للدولة الإيرانية ثم بعد ذلك لا تتوانى عن تفكيك الدولة الوطنية فى اليمن والعراق ولبنان والسودان تحت مسميات شتى.
النظر إلى المنطقة العربية يدفعنا إلى فهم ما يحدث من خلال منظور النجاح فى بناء الدولة الوطنية من عدمه؛ والفشل فى ذلك يفتح الأبواب لما نراه من دول لديها «رؤية» حول مستقبلها؛ وأخرى لا تزال دائرة فى دوائر العنف والانقسام وتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة فى دوائر «النخبة» السياسية. جذور «الدولة الوطنية» جاء مع الإنسان الأول قائما على قدمين قبل عشرة آلاف عام وأكثر. عاش فى جماعات صغيرة يمكنها التواصل على أسماء الأشياء والأفعال؛ وهو ما يعنى وفق عصرنا وجود «لغة» توافق عليها الناس، وإذا لم يجر التواصل فإن المختلفين، وغالبا من كانوا على الهامش، ينفصلون ويكونون جماعات جديدة؛ أو يرحلون إلى بقاع أبعد. هذه القدرة على التواصل أطلقت طاقات للدفاع وتبادل السلع أو السوق المشتركة وظهور الفنون وتكوين تاريخ مشترك؛ مع جغرافية مشتركة ترسم الحدود التى توجد عندها بداية الجماعة ونهاية وجودها أو سلطتها. تعبير «الدولة الوطنية» تعبير جاء بعد الثورة الفرنسية، وبعد الحرب العالمية الأولى انتهى عصر الإمبراطوريات العظمى التى كانت تستحوذ على مساحات كبرى من الجغرافيا، وجماعات كثيرة من التاريخ. الدول العربية التى استقلت تحتاج بشدة مشروعها الوطنى القائم على الهوية المشتركة والمشروع الوطنى الذى يأخذ بيد الدولة نحو التقدم والرخاء.
دروس فى بناء الدولة الوطنية
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة



