راتب متوسط.. كيف تبني ثروة خلال 10 سنوات؟
يعتقد كثيرون أن بناء الثروة يتطلب دخلاً مرتفعاً أو ميراثاً كبيراً، لكن الدراسات المالية تشير إلى أن العامل الأكثر تأثيراً على المدى الطويل ليس حجم الراتب فحسب، بل القدرة على الادخار المنتظم والاستثمار المبكر والاستفادة من قوة العائد المركب.
وتشير مواد التثقيف المالي الصادرة عن المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع (FDIC) وبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس إلى أن الادخار الدوري والاستثمار طويل الأجل من أبرز أدوات تنمية الثروة للأفراد ذوي الدخل المتوسط.
ابدأ بالادخار قبل الإنفاق
الخطوة الأولى لبناء الثروة هي تحويل الادخار إلى أولوية وليس نتيجة لما يتبقى من الراتب في نهاية الشهر. ويوصي خبراء التخطيط المالي بتخصيص نسبة ثابتة من الدخل شهرياً بمجرد استلام الراتب، على أن تتراوح بين 10% و20% بحسب القدرة المالية.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الراتب الشهري 2170 دولاراً وتم ادخار 15% منه، فإن المدخرات الشهرية ستبلغ 320 دولاراً، أي أكثر من 3800 دولار قبل احتساب أي عوائد استثمارية.
أنشئ صندوق طوارئ أولاً
قبل الدخول إلى عالم الاستثمار، ينبغي تكوين احتياطي نقدي يكفي لتغطية المصروفات الأساسية لمدة تتراوح بين 3 و6 أشهر. ويهدف صندوق الطوارئ إلى حماية الخطة المالية من التعثر عند فقدان الوظيفة أو مواجهة نفقات طبية أو أسرية غير متوقعة.
ويؤكد خبراء المالية الشخصية أن غياب هذا الصندوق يدفع كثيراً من الأفراد إلى اللجوء للاقتراض، ما يؤدي إلى استنزاف المدخرات المستقبلية.
استفد من قوة العائد المركب
يُعد العائد المركب أحد أهم أسرار بناء الثروة. فبدلاً من تحقيق أرباح على المبلغ الأصلي فقط، يبدأ المستثمر في تحقيق عوائد على الأرباح المتراكمة أيضاً.
ولنفترض أن شخصاً يستثمر 320 دولاراً بعائد سنوي متوسط قدره 7%، وهو معدل يقترب من متوسط العوائد طويلة الأجل لبعض فئات الأصول الاستثمارية.
وبعد مرور 10 سنوات، قد تتجاوز قيمة استثماراته 53 ألف دولار، رغم أن إجمالي ما ضخه من أموال خلال هذه الفترة لا يتجاوز 38.4 ألف دولار. ويعكس هذا المثال قوة العائد المركب، حيث لا تقتصر الأرباح على رأس المال الأصلي فحسب، بل تمتد إلى الأرباح المتراكمة أيضاً.
لهذا السبب يؤكد خبراء الاستثمار أن عامل الوقت لا يقل أهمية عن حجم الأموال المستثمرة.
تجنب “تضخم نمط الحياة”
من أكبر العقبات أمام بناء الثروة ما يُعرف ب”تضخم نمط الحياة”، أي زيادة الإنفاق كلما ارتفع الدخل. فعندما يحصل الموظف على زيادة سنوية ثم يرفع مستوى مصروفاته بالنسبة نفسها، فإنه يفقد فرصة تحويل الزيادة إلى ثروة مستقبلية.
وينصح المخططون الماليون بتوجيه جزء كبير من أي زيادة في الراتب أو مكافأة سنوية مباشرة إلى الادخار أو الاستثمار بدلاً من استهلاكها بالكامل.
استثمر في أصول منتجة
الادخار وحده لا يكفي لمواجهة التضخم على المدى الطويل، لذلك ينبغي توجيه جزء من الأموال إلى أصول قادرة على تحقيق عائد، مثل الصناديق الاستثمارية المتنوعة، والأسهم طويلة الأجل للشركات ذات الأساسيات القوية.
كما تشمل هذه الأصول برامج التقاعد والاستثمار الدوري، والمشاريع الصغيرة المدروسة.
وتؤكد الأدبيات المالية الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أهمية التنويع وإدارة المخاطر وعدم الاعتماد على أصل واحد فقط.
تخلص من الديون مرتفعة التكلفة
من الصعب بناء ثروة في ظل وجود ديون استهلاكية مرتفعة الفائدة، خصوصاً ديون بطاقات الائتمان. وتشير الأدلة الإرشادية الصادرة عن “FDIC” إلى أن تكلفة الاقتراض قد تستنزف جزءاً كبيراً من الدخل وتحد من القدرة على الادخار والاستثمار.
لذلك ينصح الخبراء بإعطاء أولوية لسداد الديون الأعلى تكلفة قبل التوسع في الاستثمار.
يمكنك تحويل المثال إلى صياغة أكثر واقعية واحترافية على النحو التالي:
مثال عملي
لنفترض أن موظفاً يتقاضى راتباً شهرياً قدره 2670 دولاراً، ويخصص 20% من دخله للادخار والاستثمار، أي 530 دولار. ومع الالتزام بالاستثمار المنتظم، وإعادة استثمار العوائد، وتجنب الديون الاستهلاكية، وزيادة المبالغ المدخرة تدريجياً مع كل زيادة في الراتب، يمكن أن يحقق نمواً ملحوظاً في ثروته على المدى الطويل.
فعلى سبيل المثال، إذا استثمر هذا المبلغ بعائد سنوي متوسط يبلغ 7%، فقد تتجاوز قيمة أصوله المالية 93 ألف دولار بعد 10 سنوات، رغم أن إجمالي ما ادخره من راتبه خلال هذه الفترة يبلغ 64 ألف دولار. أما إذا واصل زيادة مساهماته الاستثمارية مع نمو دخله بمرور الوقت، فقد ترتفع ثروته إلى مستويات أعلى بكثير.
ويبرز هذا المثال كيف أن بناء الثروة لا يعتمد بالضرورة على راتب مرتفع، بل على الانضباط المالي والادخار المنتظم والاستثمار طويل الأجل.
بناء الثروة لا يبدأ براتب مرتفع، بل بعادات مالية صحيحة. فالادخار المنتظم، وإنشاء صندوق للطوارئ، والاستثمار المبكر، وتجنب الديون مرتفعة التكلفة، والاستفادة من العائد المركب، كلها عناصر قادرة على تحويل راتب متوسط إلى قاعدة ثروة حقيقية خلال عقد من الزمن. والأهم من ذلك أن الاستمرارية والانضباط المالي غالباً ما يكونان أكثر تأثيراً من حجم الدخل نفسه.
المصدر: العربية – اقتصاد