ربع قرن من الصدام بين أميركا والجنائية الدولية.. بدأ بـ”غزو لاهاي”
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية تصعيداً أكبر، بعدما فرضت واشنطن عقوبات جديدة على رئيسة المحكمة، القاضية اليابانية توموكو أكاني، وكبير محامي المحاكمة في مكتب المدعي العام، السنغالي عبد الله سيي، في أحدث خطوة ضد المؤسسة القضائية التي تتخذ من لاهاي مقراً لها.
فيما صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس الثلاثاء، بأن العقوبات تستهدف أكاني وسيي بموجب الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب في فبراير 2025 وخصص لمعاقبة المحكمة ومسؤوليها. وبموجب هذه الإجراءات، تُجمد أي أصول أو مصالح مالية للأشخاص المدرجين في الولايات المتحدة، كما تُفرض عليهم قيود مرتبطة بالنظام المالي الأميركي.
Last month, I launched a diplomatic campaign to dismantle the ICC’s threat to our national sovereignty. The Trump Administration is sanctioning ICC President Tomoko Akane and Senior Trial Lawyer Abdoulaye Seye in our unwavering mission to protect Americans from this sham of a…
— Secretary Marco Rubio (@SecRubio) August 18, 2026
“هجوم سافر”
لكن المحكمة ردت على العقوبات بلغة أكثر حدة، معتبرة أنها “هجوم سافر” على استقلال مؤسسة قضائية محايدة تعمل وفق الولاية التي منحتها إياها الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، مؤكدة في ذات الوقت أنها لن تردعها الإجراءات الأميركية، وأنها ستواصل ممارسة ولايتها باستقلالية وحياد.
علماً بأنه يخضع حالياً للعقوبات الأميركية تسعة من أصل 18 قاضياً، إضافة إلى نائبَي المدعي العام، والمدعي العام السابق، وأحد موظفي المحكمة، منذ بدء سلسلة العقوبات.

كما لم تتوقف ردود الفعل عند المحكمة نفسها، إذ انتقدت اليابان اليوم الأربعاء، العقوبات الأميركية على أكاني، معتبرة أنها “مؤسفة جدا”، ومؤكدة دعمها باستمرار المحكمة الجنائية الدولية في جهودها لملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي ومعاقبتهم، وكذلك دعم سيادة القانون.
بدوره أكد الاتحاد الأوروبي أنه “يقف بحزم” إلى جانب الجنائية الدولية، إذ قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في بيان مشترك، أن “المحكمة تسهم في تحقيق العدالة لضحايا بعض أفظع الجرائم التي يشهدها العالم، وللاضطلاع بهذا العمل الأساسي، يجب أن يتمكن قضاتها ومسؤولوها من أداء مهامهم باستقلالية ودون ضغوط خارجية”.
.@eucopresident and I stand firmly with the @IntlCrimCourt, President Tomoko Akane and the officials who uphold its mission.
The ICC helps deliver justice to the victims of some of the world’s most horrific crimes.
To carry out this essential work, its judges and officials must…
— Ursula von der Leyen (@vonderleyen) August 19, 2026
نتنياهو يرحب
أتت العقوبات في وقت تواصل فيه الجنائيةالدولية تحركاتها في ملفات ترتبط بإسرائيل، وهو ما جعلها محوراً رئيسياً في الخلاف بين واشنطن وتل أبيب من جهة، والمحكمة من جهة أخرى.
لهذا رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالقرار الأميركي، وهاجم المحكمة ووصفها بأنها “محكمة زائفة”، معتبراً أنها تستخدم القانون الدولي لتغطية ما وصفه بإساءة استخدام السلطة وتقويض مبادئ العدالة.
كما أشاد بإجراءات إدارة ترامب وبجهود روبيو ضد المحكمة.
The ICC has become a kangaroo court that cloaks its abuse of power in the language of international law while undermining the very principles of justice.
I commend Secretary of State Marco Rubio for leading the Trump Administration's determined efforts against the ICC's… https://t.co/nuwAvlztZG
— Benjamin Netanyahu – בנימין נתניהו (@netanyahu) August 18, 2026
هذا ويعود جانب أساسي من الخلاف إلى قرار المحكمة في نوفمبر 2024 إصدار مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة خلال الحرب في غزة، إضافة لقائدي حماس الراحلين إسماعيل هنية ويحيى السنوار. وترفض إسرائيل والولايات المتحدة اختصاص المحكمة في هذا الملف، فيما تتمسك المحكمة بولايتها القانونية.
“قانون غزو لاهاي”
أما الخلاف الأميركي مع المحكمة فليس جديداً، بل يعود إلى السنوات الأولى لإنشائها، فالولايات المتحدة ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، وبالتالي ترفض خضوع مواطنيها لاختصاص المحكمة في الحالات التي لا ترى أن لها أساساً قانونياً مقبولاً.

وفي فبراير 2025، أصدر ترامب الأمر التنفيذي رقم 14203، معلناً أن المحكمة اتخذت، وفق الرؤية الأميركية، إجراءات “غير مشروعة ولا أساس لها” ضد الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل. ونص الأمر على إمكانية فرض عقوبات تشمل تجميد الممتلكات والأصول وفرض قيود على دخول مسؤولي المحكمة إلى الولايات المتحدة.
وكانت أولى خطوات تطبيق الأمر التنفيذي قد طالت المدعي العام السابق للمحكمة كريم خان في فبراير 2025، قبل أن تتوسع قائمة العقوبات لاحقاً لتشمل قضاة ومسؤولين آخرين.
كذلك تملك الولايات المتحدة منذ عام 2002 إطاراً قانونياً خاصاً لحماية مواطنيها من ملاحقات المحكمة، يعرف رسمياً باسم “قانون حماية أعضاء الخدمة الأميركيين”، لكنه اشتهر إعلامياً وتندراً باسم “قانون غزو لاهاي”.
وينص هذا القانون، من بين أمور أخرى، على حظر أشكال واسعة من التعاون الأميركي مع المحكمة الجنائية الدولية، كما يمنح الرئيس الأميركي صلاحية استخدام “كل الوسائل الضرورية” للعمل على إطلاق سراح أفراد أميركيين أو حلفاء محتجزين من جانب المحكمة.

ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟
أنشئت الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي الذي اعتمد في 17 يوليو 1998، ودخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو 2002. وبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد الدول الأطراف في النظام 125 دولة حتى يوليو 2026، من أصل 137 دولة موقعة عليه.
لكن الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل والهند من أبرز الدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كما تعد المحكمة أول محكمة جنائية دولية دائمة ذات اختصاص للنظر في أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي، وهي تختلف في طبيعتها عن محكمة العدل الدولية التي تنظر أساساً في النزاعات القانونية بين الدول.
كما تختص الجنائية الدولية بأربع جرائم رئيسية: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، في حين لا تستهدف الدول بصفتها كيانات سياسية، وإنما تحاكم الأشخاص الذين يُشتبه في مسؤوليتهم الجنائية عن ارتكاب هذه الجرائم.
واختيرت مدينة لاهاي الهولندية مقراً للمحكمة في سياق مكانتها الطويلة كمركز للعدالة والقانون الدوليين، إذ تستضيف المدينة عدداً من المؤسسات القضائية والمنظمات الدولية، من بينها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
المصدر: العربية

