رجال بلا عتاد… حين يستنزف الضغط النفسي رب الأسرة
حين نتحدث عن الرجل المغربي اليوم، لا ينبغي أن ننظر إليه فقط من زاوية ما يملك، بل أيضا من زاوية ما يحمل على كتفيه من أدوارا اجتماعية تراكمت عبر أجيال؛ أن يكون المعيل، والسند، والحامي، وصاحب الحلول في كل أزمة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا يحدث عندما تتضخم المسؤوليات، بينما تتقلص الإمكانيات؟
من زاوية علم النفس الاجتماعي، لا تبدأ معاناة الإنسان عندما يقل دخله، بل عندما يشعر أن المجتمع ما يزال يطالبه بالأداء نفسه، رغم أن الظروف قد تغيرت. فالألم الحقيقي لا يصنعه الفقر وحده، بل تصنعه الفجوة بين ما يُنتظر من الفرد وما يستطيع تحقيقه. فالأدوار التي يؤديها الرجل داخل الأسرة ليست مجرد اختيارات فردية، بل هي نتاج تنشئة اجتماعية وتمثلات ثقافية تشكلت عبر الزمن، وتحدد ما ينتظره المجتمع من الرجل، وكيف يحكم على نجاحه أو إخفاقه.
كما أن المعطيات الرسمية تشير إلى أن متوسط الدخل السنوي للأسر المغربية يقارب 89 ألف درهم، غير أن هذا المتوسط لا يعكس واقع معظم الأسر، إذ إن 71.8% من الأسر المغربية يقل دخلها السنوي عن هذا المستوى، لأن المتوسط يرتفع بدخول الأسر الأكثر ثراء. لذلك، فإن الدخل الأكثر تمثيلا لواقع غالبية الأسر يظل أقل من هذا المتوسط. وفي المقابل، تستمر تكاليف السكن، والغذاء، والتعليم، والصحة، والتنقل في الارتفاع، مما يجعل كثيرا من الأسر تعيش تحت ضغط مالي دائم.
وفي مثل هذا الواقع، لا يشعر كثير من الرجال بأنهم فقدوا المال فقط، بل يشعرون بأنهم يفقدون شيئا من كرامتهم أمام أنفسهم وأمام أسرهم. فما تزال بعض التمثلات الاجتماعية والأدوار الجندرية التقليدية تربط قيمة الرجل، إلى حد كبير، بقدرته على الإنفاق، حتى وإن كانت الظروف الاقتصادية خارجة عن إرادته.
ومن هنا تبدأ الكواليس النفسية التي لا يراها أحد. فبعض الرجال يصبحون أكثر صمتا وعزلة إجتماعية وآخرون أكثر عصبية، هذا ليس لأنهم تغيروا في جوهرهم، بل لأنهم يعيشون استنزافا نفسيا مستمرا. وهي استجابات نفسية اجتماعية تظهر عندما يشعر الإنسان بأن صورته الاجتماعية أصبحت مهددة، وأنه لم يعد قادرا على الوفاء بالدور الذي يتوقعه منه المجتمع، فيخشى أن ينظر إليه باعتباره عاجزا أو قليل المنفعة.
إن أخطر ما قد يقع فيه المجتمع هو أن يحاكم الإنسان بنتائجه فقط، دون أن يسأل عن حجم المعركة التي يخوضها كل يوم. فكثير من الرجال يغادرون بيوتهم صباحا وهم يحملون هما أكبر من محافظهم، ويعودون مساء مثقلين بإحساس أنهم لم يحققوا ما كانوا يتمنونه لأسرهم وفلذات أكبادهم، رغم أنهم بذلوا كل ما يستطيعون.
ولا يعني هذا أن الرجل هو الضحية الوحيدة، فالمرأة المغربية بدورها تتحمل ضغوطا كبيرة داخل الأسرة وخارجها. لكن استقرار الأسرة لا يتحقق بإلقاء اللوم على طرف دون آخر، بل بفهم الضغوط النفسية الاجتماعية التي يعيشها كل فرد فيها، وببناء علاقة قائمة على الشراكة، والتقدير، والدعم المتبادل.
وحين تختزل بعض الأوساط الاجتماعية قيمة الرجل في قدرته على الإنفاق، فإنها قد تدفعه، دون قصد، إلى الإحساس بالفشل، حتى وهو يبذل أقصى ما لديه. لذلك، فإننا بحاجة إلى إعادة تعريف القوة. فالقوي ليس فقط من يستطيع الإنفاق، بل أيضا من يواصل تحمل المسؤولية بشرف، ويقاوم الإحباط، ويحافظ على تماسك أسرته رغم المعيش الصعب.
وهنا نطرح السؤال : هل آن الأوان أن نعيد، في بعض الأوساط داخل مجتمعنا، تعريف قيمة الرجل، فلا تختزل في قدرته على الإنفاق، بل تقاس أيضا بصدق التزامه، ونبل أخلاقه، وصبره، وكرامته، وحجم المسؤولية التي يتحملها، وما يقدمه لأسرته من عطاء، حتى في أشد الظروف قسوة؟
المصدر: اليوم 24

