رغم الضجيج.. لماذا يبقى التخلي عن الدولار بعيد المنال؟
دفعت قمة مجموعة بريكس الأخيرة مجدداً النقاش حول تقليص الاعتماد على الدولار، مع تأكيد قادة التكتل أهمية توسيع التجارة بالعملات المحلية وتعزيز دور اقتصادات الجنوب العالمي في النظام المالي الدولي.
أرجع خبراء هذا التوجه إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية والعقوبات الاقتصادية الأميركية والسياسات الحمائية، إلا أنهم شككوا في قدرة التكتل على إحداث تحول جذري يضعف هيمنة الدولار على المدى المنظور.
ظل الحديث عن “إزالة الدولرة” يتكرر كلما تعرضت الثقة في الولايات المتحدة أو نظامها المالي لاهتزازات، غير أن الواقع يكشف استمرار هيمنة العملة الأميركية على التجارة والتمويل العالميين، إذ لا تزال سلع رئيسية مثل النفط والذهب تسعر بالدولار، بحسب تقرير موسع لشبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
وأظهرت بيانات بنك التسويات الدولية أن الدولار استحوذ على 89% من تداولات سوق العملات الأجنبية حتى أبريل الماضي، مرتفعاً نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق، فيما بلغت حصة اليورو 29% والين الياباني 17%.
دعا رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا خلال القمة إلى توسيع استخدام العملات المحلية، وتعزيز أنظمة المدفوعات العابرة للحدود، وتعميق التكامل المالي بين الدول الأعضاء.
وطالبت دول مثل روسيا وإيران، اللتان تواجهان قيوداً على استخدام الدولار بفعل العقوبات الأميركية، بتطوير بنية تحتية خاصة بالتكتل للمدفوعات والتسويات والودائع المالية. كما اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن تركز النظام المالي العالمي حول عدد محدود من العملات يجعله عرضة للصدمات السياسية، داعياً إلى تنويع البدائل.
عقبات هيكلية
أكد خبراء أن مجموعة بريكس لا تزال تفتقر إلى البنية المؤسسية والمالية والاقتصادية الكلية اللازمة لاستبدال ما يتمتع به الدولار من سيولة وثقة عالمية.
وشكلت فجوات التكامل المالي، واختلالات الميزان التجاري بين الأعضاء، فضلاً عن ضعف الثقة المتبادلة بين قوى رئيسية داخل التكتل مثل الصين والهند، أبرز العقبات أمام أي محاولة جادة للابتعاد عن العملة الأميركية.
خطوات محدودة
برز ملف إزالة الدولرة بصورة متكررة داخل بريكس، إلى درجة دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب سابقاً إلى التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% إذا اتجهت دول التكتل إلى إطلاق عملة بديلة للدولار أو دعم أي مشروع ينافسه.
ومثلت دول بريكس العشر مجتمعة نحو 27% من الناتج العالمي و24% من صادرات السلع و22% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2024، وفق بيانات أممية، إلا أن التجارة البينية داخل التكتل لم تتجاوز نحو 5% من التجارة العالمية.
ورغم تكرار التعهدات بتوسيع استخدام العملات الوطنية، لم تظهر حتى الآن خطوات عملية واسعة النطاق. كما خلا إعلان بريكس لعام 2026 من أي إشارة إلى عملة موحدة أو آليات واضحة لتسوية التجارة والاستثمارات بالعملات المحلية، مكتفياً بتكليف فريق مدفوعات بريكس بالعمل على حلول عملية للمدفوعات العابرة للحدود.
وأشارت رئيسة أبحاث آسيا في “فيريسك مابلكروفت”، ريما باتاتشاريا، إلى أن نحو 90% من التجارة بين روسيا والصين تسوى حالياً بالروبل واليوان، إلا أن هذا التحول جاء بالأساس نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على موسكو منذ 2022، وليس نتيجة سياسة منسقة داخل بريكس.
وأضافت أن معظم عملات الدول الأعضاء تفتقر إلى أسواق مالية عميقة وسائلة خارج حدودها المحلية، ما يدفع المصدرين إلى تفضيل الدولار كخيار أكثر سهولة وأقل مخاطرة في تسعير التجارة العالمية، خاصة السلع الأساسية.
الصين والهند.. التحدي الأكبر
اعتبرت باتاتشاريا أن التنافس بين الصين والهند يمثل أكبر عائق أمام تماسك التكتل. فرغم رغبة البلدين في تعزيز استقلالهما الاستراتيجي بعيداً عن واشنطن، فإنهما يتنافسان مباشرة في مجالات التصنيع والتكنولوجيا وجذب الاستثمارات والنفوذ الإقليمي.
وزادت الفجوة التجارية المتنامية بين أكبر اقتصادين في بريكس من صعوبة بناء الثقة اللازمة لتحقيق اندماج مالي أعمق. فبينما بلغ حجم التجارة بين البلدين مستوى قياسياً عند 151.1 مليار دولار خلال السنة المنتهية في مارس 2026، ارتفع العجز التجاري الهندي مع الصين إلى مستوى قياسي بلغ 112.16 مليار دولار.
وفي المحصلة، يبدو أن طموحات بريكس لتقليص الاعتماد على الدولار ما تزال تصطدم بعقبات مؤسسية وتجارية وسياسية كبيرة، ما يجعل الحديث عن إنهاء هيمنة العملة الأميركية أقرب إلى خطاب سياسي طويل الأمد منه إلى تحول اقتصادي ومالي وشيك.
المصدر: العربية – اقتصاد