روسيا – الصين ….. وزمن حلف الأعدقاء
هل تبدو في الأفق ملامح ومعالم تحالفٍ جيوسياسيّ، قادر على تغيير الأوضاع وتبديل الطباع فيما يختصّ بالبنى الهيكلية للنظام العالميّ الحاليّ، والذي يبدو متصدعًا بشكل واضح؟
يبدو أنّ هذا هو ما تجري به الأقدار في الوقت الراهن، وقد كان لتحقيق استطلاعيّ قامت عليه مجلّة دير شبيجل الألمانية، بالشراكة مع موقع إنسايدر الأميركيّ، وصحيفة اللوموند الفرنسيّة الشهيرة، دورٌ كبيرٌ في إماطة اللثام عن قصّة شراكة عسكريّة روسيّة صينيّة، قائمة وقادمة في سياق مواجهة ومجابهة الولايات المتّحدة الأميركيّة.
على أنّه وقبل الدخول إلى عمق القصة، ربما يتحتّم علينا الإشارة إلى ما كان معلنًا من الجانب الصينيّ، ويتمثّل في إقرار بكين بأنّها تقف على الحياد بين روسيا وأوكرانيا، ولا تتدخّل في الصراع الدائر بينهما منذ فبراير/ شباط 2022.
غير أنّ القصّة بحسب الثلاثيّ الإخباريّ الشهير تبدو غير ذلك، إذ تشير الوثائق التي تمّ الحصول عليها إلى أنّ الصين تلعب دورًا متقدّمًا جدًّا في هذه الحرب، حتى وإن كانت منطلقاتها براغماتيّة مجرّدة.
في ديسمبر 2024، وفي مدينة يكاترينبورغ الروسيّة، كان الجانبان الروسيّ والصينيّ يعقدان ما يسمى ب”المنتدى التكنولوجيّ العسكريّ المغلق” بحضور نحو ثمانين شخصيّة رفيعة المستوى من جيوش البلدَيْن وكذا من الخبراء المدنيّين.
الفكرة الرئيسيّة وراء هذا المنتدى تمثَّلَتْ في تقسيم الأدوار بين موسكو وبكين، إذ تقوم روسيا بتقديم خبراتها القتاليّة والميدانيّة المكتسَبة في حربها مع أوكرانيا، بينما تزود الصين موسكو بالإلكترونيّات وأشباه الموصلات والآلات.
الوثائق التي حصلت عليها مجلة “دير شبيغل” تشير إلى أنّ التعاون بين موسكو وبكين، تجاوز تبادل المعدّات ذات الاستخدام المزدوج، ليشمل تطوير أسلحة متقدّمة وأنظمة دفاعٍ جوّيّ وصاروخيّ، ومناقشة سيناريوهات لاستهداف بنى تحتيّة غربيّة حيويّة، وبحث سبل مواجهة التفوق العسكريّ الأميركيّ.
يَعِنّ للقارئ أن يتساءل أوّل الأمر: “ما الهدف الاستراتيجيّ من هذه الشراكة، وهل يمكن أن ترقى العلاقات بين الروس والصينيّين بالفعل إلى مستوى الحلف الاستراتيجيّ؟
بحسب الوثائق التي تسَرَّبَت عن هذا المنتدى، ورغم السرّيّة الكبيرة التي أحيطت به، تقطع بأنّ مقابلة التفوّق العسكريّ للولايات المتّحدة الأميركيّة، هو بيت القصيد.
لم يكن لقاء ديسمبر 2024 هو البداية، فقد سبقه لقاءٌ آخَر قبل عام، وبالتحديد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، بمدينة غوانجو جنوبي الصين.
تمَثَّل الدافع الرئيس لهذه اللقاءات في البحث عن الوسائل والآليات التي ينبغي من خلالها رفض فكرة الحصار الأميركي لروسيا والصين، عبر 550 طائرة شبح F35 متمركزة في أوروبا، ودرءًا لسياسة التطويق الاستراتيجيّ لروسيا والصين من جانب الأطلسيّ.
عبر العامَيْن المنصرمَيْن، دَرَّبت الصين جنودًا روسيّين على تشغيل المسيرات قبل عودتهم إلى جبهات القتال في أوكرانيا، وقد عاد ما لا يقل عن 200 جنديٍّ روسيٍّ بالفعل إلى مواقعهم بعد التدريب الصينيّ الماورائيّ.
في القلب من التعاون العسكريّ الروسيّ المشترك، كانت قضيّة مواجهة الأقمار الاصطناعيّة الخاصّة بالفتى المعجزة، إيلون ماسك، والمعروفة باسم “ستارلينك”.
ليس سرًّا أنّ هناك قناعةً لدى موسكو وبكين بأنّ ما يمكن استخدامه في أوكرانيا، يمكن أيضًا استخدامه في تايوان، حال مواجهتها مع الصين.
في هذا السياق يبدو واضحًا أنّ الروس والصينيّين ينظرون إلى نظام ماسك بشيءٍ من الإعجاب والحسد معًا، فوفقًا للجانب الصينيّ تحديدًا، يتيح ستارلينك للقوّات الأوكرانيّة تبادُلَ المعلومات في الوقت القيم، الأمر الذي يعتبر تحوّلًا ثوريًّا في أنظمة اتّصالات المعارك.
هنا يبدو الهدف الأبعد من التقاء الإرادات العسكريّة الروسِيّة-الصينية، وهو الاستعداد لما تصفه الوثائق ب”الحرب عالية التقنيّة”، والتي تتطَلَّب ضرورة إعداد إجراءات مضادّة منها التشويش على ستارلينك أو إبطاؤه أو تدمير الأقطار الاصطناعيّة.
العبارة الأخيرة الخاصّة بمعارك الفضاء، تعود بنا إلى الأحاديث العريضة التي سرت في أوروبا الأسابيع الماضية، حول النوايا الروسِيّة الخاصّة بنقل أسلحة نوويّة إلى الفضاء، واستخدامها في معارك فضائيّة مع الأقمار الاصطناعيّة للدول الأخرى، وفي مقدّمها من غير أدنى شكّ الولايات المتّحدة الأميركيّة.
وربّما لا يحتاج الأمر إلى صداماتٍ نوويّة، إذ يمكن للروس والصينيّين معًا أو منفردَيْن، إصابة شبكات الأطلسي الفضائيّة بعطب بالغ الضرر من خلال هجمات إلكترونيّة على البنية التحتيّة للأقمار الاصطناعيّة مثل ستارلينك وغيرها، عبر أسلوب يُعْرَف في الأوساط المتخصِّصة باسم “الانتحال”، وذلك حال نجح المهاجمون في إدخال فيروسات إليها.
لكن، أيّ طرف يستفيد من الطرف الآخر بشكلٍ أكبر؟
قطعًا الروس في حاجةٍ إلى الرقائق المعدنِيّة وقطع الغيار والمُسَيَّرات العسكريّة، لكنّهم يقدّمون للصينيّين خبراتهم الحربيَّةَ في المواجهة مع أوكرانيا، وطرائق القتال مع من هم وراء أوكرانيا، لا سِيَّما من الأوروبّيّين، وهو أمرٌ تراه بكين فائدةً استراتيجِيّة، لا سِيَّما حال تطَوَّر الأمر وبَلَغَ حَدَّ المواجهة العسكرِيَّة في تايوان مع الأميركِيّين.
يعلم الخبراء أنّ الصين تكاد تكون قليلة الخبرةِ العسكريّة، فهي لم تقاتلْ منذ ثمانينات القرن المنصرم، عندما وقعت اشتباكاتٌ حدوديّة مع فيتنام.
هنا تقول الوثائق إنّ الصينيّين أرسلوا مؤخَّرًا عددًا من الضباط رفيعي المستوى إلى جبهةِ القتال في أوكرانيا للاطلاع المباشر على مجريات الحرب.
هل يعني ما تقدم أنّ الجيشَيْن الروسيَّ والصينيّ أقرب ما يكونا إلى حالة الردع الواحدة في مواجهة الولايات المُتَّحدة؟
بحسب ما تسَرَّبَ من أخبار، تجري الأحداثُ بسرعةٍ بهدف بلورة مشروعٍ مشترك يعمل على تطوير مراكز قيادة وتحَكُّم للصواريخ الأرضِيّة، إضافةً إلى صاروخٍ موجَّه قادر على المناورة لاعتراض الصواريخ فرط الصوتيّة في مراحلها الأخيرة من الطيران على ارتفاع يصل إلى 40 كيلومترًا، وكذلك مواجهة الصواريخ الباليستيّة متوسّطة المدى.
الهدف الأساسيّ ولا شكّ من هذا المشروع هو حماية البلدَيْن من الضربات الدقيقة بعيدة المدى، خصوصًا الأسلحة الأميركية الحديثة، مع توَقُّع دخولها الخدمة عام 2030.
هل يتوَجَّب على ألمانيا خاصّةً وحلف الناتو عامّةً أن يقلقا من جرَّاءَ هذا التحالف القائم والقادم؟
بالنسبة لألمانيا خاصّةً وحلف الأطلسيّ عامّةً، يشكّل هذا التعاون حالةً استراتيجيّة جديدة، فمع دعم بكين للحرب الروسِيّة على أوكرانيا، وتزويدها بمُسَيَّرات وتدريب جنودها وتطوير أسلحة جديدة بشكلٍ مشترك، تتشابك جبهتا صراع كان يُنظَر إليهما لفترةٍ طويلة على أنّهما منفصلتان: أوكرانيا وتايوان.
لكنّ السؤال الرئيس: رغم ما ترسخ هل يمكن اعتبار العلاقة الروسيّة–الصينِيّة، تحالفًا استراتيجيًّا كاملًا وشاملًا، أم علاقات براغماتيّة وقتيّة؟
الشاهد أنّ هناك ذكريات عداء بين الدولتين اللتين تتشاركان حدودًا مشتركة، ما يسمح لهما بتهديد بعضهما البعض.
كما أنّ الظروف الجيوسياسيّة تَحُدُّ من الآمال العريضات، إذ لا تزال القوَّتان منقسمتَيْن حول قضايا جوهريّة.
عطفا على ذلك، تخشى بكين وموسكو من أنَّ تحالفًا عسكريًّا محكمًا لن يخدم مصالحهما أو استقرار النظام العالميّ.
وبجانب ما تقَدَّم فإنَّ التهديد الذي يدفع روسيا والصين إلى التقارب، أي الولايات المتحدة، ليس بالخطورة التي قد يبدو عليها، لا سًيَّما أنّ البلدَيْن يمتلكان أسلحةً نوويّةً تجعل احتمال تعَرُّضهما لغزوٍ أميركيٍّ أمرًا مستبعَدًا.
هل من خلاصة؟
نعم روسيا السلافيّة الأرثوذكسيّة، لا تتفق طبقاتها الحضارية التكتونية مع الصين الكونفوشيوسيّة، ولهذا فإنّ ما جادت به “دير شبيغل” لا يَعْدو أن يكون من قصص تحالف الأعدقاء ليس أكثر.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)