زلزال سياسي يهز بريطانيا.. ستارمر يستقيل ولندن تبحث عن قائد ينقذ اقتصادها
في خطوة وصفها بأنها “مسؤولية تجاه البلاد”، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اليوم الاثنين استقالته من منصبه، ليضاف إلى قائمة طويلة تجعل بريطانيا تودع سابع رئيس وزراء لها خلال عقد واحد فقط، في مشهد سياسي غير مسبوق يلقي بظلاله الثقيلة على اقتصاد يكافح أصلاً من أجل النمو.
أعلن ستارمر استقالته في تصريح مباشر أمام مقر رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت، مؤكداً أنه أبلغ الملك تشارلز الثالث بقراره، وأن ترشيحات خلافته ستفتح في التاسع من يوليو المقبل، على أن يكون الزعيم الجديد في منصبه بحلول سبتمبر.
كير ستارمر يعلن استقالته من زعامة حزب العمال ورئاسة الوزراء
وقال ستارمر بصوت متهدج: “كل قرار اتخذته كان من أجل البلاد التي أحبها، ولهذا سأستقيل”.
يمهد رحيله الطريق أمام خليفته المرتقب آندي بورنهام، العمدة السابق الشهير لمانشستر الكبرى، الذي عاد إلى البرلمان الأسبوع الماضي بعد فوز كبير في انتخابات فرعية، وبات ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره الخيار الأوفر حظاً لتولي قيادة حزب العمال.
سقوط مدوٍ بعد صعود تاريخي
يمثل هذا الرحيل سقوطاً مدوياً لزعيم حقق انتصاراً انتخابياً تاريخياً عام 2024، حين اكتسح حزب العمال الانتخابات بأغلبية ساحقة أنهت 14 عاماً من حكم حزب المحافظين.
غير أن شعبيته تآكلت بسرعة قياسية، إذ بلغ معدل تأييده السلبي نحو 57 نقطة بحلول يناير 2026، في مستوى لم يسبق تسجيله إلا في عهد رئيسة الوزراء ليز تراس الأقصر أجلاً في التاريخ البريطاني.
وقد كانت الضربة القاضية خسارة حزب العمال أكثر من ألف مقعد في مجالس المحليات خلال انتخابات مايو الماضي، قبل أن تتوالى استقالات الوزراء، وتتصاعد المطالبات داخل الحزب بتحديد موعد للرحيل.
الأسواق.. هدوء حذر وأسئلة كبرى
على صعيد الأسواق المالية، جاءت ردة الفعل الفورية خافتة نسبياً، إذ تراجع الجنيه الإسترليني ليتداول عند نحو 1.319 دولار، فيما ارتفع عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات قليلاً عند 4.85%، وتراجع مؤشر FTSE بشكل طفيف، في إشارة إلى أن الاستقالة لم تفاجئ المستثمرين الذين كانوا يترقبونها منذ أسابيع.
بيد أن التحديات الاقتصادية الحقيقية تكمن في المرحلة الانتقالية وما بعدها. فضعف الجنيه يعني ارتفاع أسعار الواردات، واستمرار الضغوط التضخمية، مما يقلص احتمالات خفض بنك إنجلترا لأسعار الفائدة في المدى القريب.
أما الخطر الأكبر الذي يترقبه المستثمرون فيتعلق بسوق السندات الحكومية (Gilts)، إذ حذر اقتصاديون من أن تغيير القيادة قد يدفع المستثمرين لطلب علاوة مخاطرة أعلى على السندات البريطانية، خصوصاً إذا أفضى إلى سياسة مالية أكثر تساهلاً تثير مخاوف حول الاستدامة المالية وتصعد تكاليف الاقتراض.
المرشح القادم يحدد مصير الأسواق
تفيد التحليلات بأن فوز وس ستريتينغ بزعامة الحزب قد يعني استمراراً في الانضباط المالي وهو ما تفضله الأسواق، في حين قد تعني قيادة بورنهام إنفاقاً عاماً أعلى، وبالتالي استدانة أكبر وعوائد أعلى على السندات.
ووصف محللو السوق الوضع الراهن بأنه “مرحلة ترقب حتى إغلاق باب الترشيحات، لأن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة”.
وفي سياق أشمل، يجمع المحللون على أن التحدي الاقتصادي الأعمق لا يتعلق بشخص ستارمر أو خليفته، بل بمعضلة بنيوية أشار إليها أحد كبار استراتيجيي السوق بصراحة: “القصة الحقيقية هي أن بريطانيا لم تحقق نمواً كافياً، في حين يواصل الدولار صعوده”.
المصدر: العربية – اقتصاد