زمن القوة المجزّأة في الشرق الأوسط
Back
ما يعرفه ريفو عن الخبر
- كشفت الحرب على إيران عن تفكك مكونات القوة في الشرق الأوسط وانفصالها عن بعضها البعض.
- لم تعد القوة في المنطقة كتلة واحدة تنتقل من يد إلى يد بل أصبحت موزعة على مجالات متمايزة.
- تمتلك واشنطن القدرة على الإكراه بينما تمتلك الصين التبادل التجاري والاستثمار.
- تعاني دول الخليج من تراكم أجزاء من وظائف القوة دون وجود جهة واحدة ترثها بالكامل.
الحرب على إيران تكشف أن مكونات القوة في الشرق الأوسط انفصلت بعضها عن بعض، وأن أحداً لم يعد يملك الحزمة كاملة.
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، يُطرح مستقبل الشرق الأوسط وفق عدسة مكبرة تتركز حول من يخلف الولايات المتحدة، وكأن المنطقة خواء من أية قوى غيرها.
تتوزع الإجابات بين الصين وتحالفات إقليمية ناشئة وإيران نفسها أو قوى أخرى في الإقليم، لكنها تشترك في افتراض لا تفحصه، وهو أن القوة كتلة تنتقل من يد إلى يد بمكوناتها كاملة.
والشهور الثمانية الماضية لا تؤيد هذا الافتراض.
فالصين التي يُنتظر أن ترث لم تسيّر دورية واحدة في مضيق هرمز، والولايات المتحدة التي يقال إنها تنسحب ما زالت قادرة على المرافقة والحصار، وإسرائيل التي بلغت ذروة تفوقها العسكري تخسر شرعيتها بسرعة لم تعرفها من قبل، ودول الخليج التي تحدث قادتها عن وراثة قيادة الإقليم لم تستطع أن توفر الأمن لمواطنيها.
فمكونات القوة نفسها تتفكك، ويتحرك كل منها في اتجاه وبإيقاع لا يشبهان حركة الآخر.
ما رآه كالابريزي
أقرب من التقط هذه الظاهرة في الكتابات الأمريكية الأخيرة جون كالابريزي، في ورقته عن الصين ضمن تقرير معهد الشرق الأوسط في واشنطن «الشرق الأوسط ما بعد الحرب الإيرانية» الصادر في سبتمبر الماضي.
يرفض كالابريزي السردية الخطية التي تفترض أن تمدد الصين الاقتصادي سيتحول تلقائياً إلى نفوذ جيو سياسي يزيح واشنطن، ويقترح مكانها حركة ارتدادية، فكلما تعمق اندماج بكين في اقتصاد الإقليم اتسع انكشافها على بيئة أمنية لا تتحكم فيها ولا تريد التحكم فيها.
جاء من المنطقة نحو نصف واردات الصين من النفط الخام عام 2025، وبلغ انكشافها على تدفقات هرمز 37.7 في المئة، مقابل أقل من 15 في المئة لكل من الهند واليابان وكوريا الجنوبية.
ومع ذلك ظلت الصين طوال الحرب، بتعبيره، “مركزية اقتصادياً وغائبة بنيوياً عن إدارة الأزمات”.
ويرد كالابريزي هذا الغياب إلى ما يسميه «السقف الأمني» الصيني، ويُقَيمه على تحفظ عقائدي وقصور في القدرات، ثم على عامل ثالث أراه أهمها، هو أن جاذبية الصين عند دول الخليج قائمة جزئياً على امتناعها عن الدور الأمني.
فلو تقدمت بكين لتحمي لفقدت ما يجعلها مرغوبة.
ومن هنا يخلص إلى أن النفوذ في المنطقة صار «موزعاً على مجالات قوة متمايزة لا تتحرك بالتوازي»، فالتحالفات تدور حول واشنطن، والتجارة والاستثمار والبنية التحتية تتجه إلى بكين.
ثم يقلب السؤال السائد، فلا يسأل كيف تعيد الصين تشكيل الشرق الأوسط، وإنما كيف يرسم الشرق الأوسط، بنوبات اضطرابه المتكررة، حدود الاستراتيجية الصينية.
منتصف الطريق
تتقدم هذه القراءة كثيراً على أدبيات «صعود الصين» التي تقيس النفوذ بحجم التجارة وعدد المواني.
لكنها تقف عند منتصف الطريق لسببين. أولهما أنها لا ترى إلا مجالين للهيمنة، أمناً تملكه واشنطن واقتصاداً ينتقل إلى بكين، وتغفل وظيفتين لا تقلان عنهما وزناً، هما إنتاج المشروعية، أي تقرير ما هو مشروع وما هو غير مشروع، ووظيفة إنتاج المعرفة، أي تعريف الإقليم نفسه بمفرداته وخرائطه وأسئلته.
وثانيهما، أن كالابريزي يصف العلاقة بين المجالين بأنها «تقسيم عمل» بنيوي.
وتقسيم العمل يوحي بتكامل منتظم بين شريكين يؤدي كل منهما نصيبه فيتم البناء.
والحرب أظهرت شيئاً آخر.
فالمجالات لم تتقاسم العمل، وإنما تركت بينها فجوات لا يتحمل أحد مسؤوليتها، وفي هذه الفجوات بالذات وقعت الأزمات، من إغلاق هرمز إلى ضرب خط الأنابيب السعودي الذي كان يُفترض أن يكون طريق الهروب منه. وإذا نقلنا سؤاله المقلوب من الصين إلى بقية الفاعلين اكتملت الصورة، فالإقليم يرسم حدود كل طامع في وراثة الدور الأمريكي، وبكين واحد منهم فقط.
أربع وظائف وأشطارها
قدمت الولايات المتحدة، القوة المهيمنة على المنطقة طوال عقود، أربع وظائف مجتمعة؛ كانت تحمي وتردع وتدير الأزمات، وتفتح الأسواق وتوفر العملة والاستثمار، وتسمي الحليف والإرهابي وتضع الخط الفاصل بين النظام والفوضى، ثم تعرّف الإقليم نفسه، فتضع خرائطه ومصطلحاته وتحدد الأسئلة التي تستحق أن تُطرح. واجتماع الوظائف الأربع في يد واحدة هو ما جعل الهيمنة تبدو أمراً طبيعياً، لأن كل وظيفة كانت تسند الأخريات. أما اليوم فهي تغادر مركزها القديم بسرعات متفاوتة، ولا تتجمع في مركز الوظائف الأربع في مركز بديل.
تحتفظ واشنطن بالقدرة على الإكراه، لكنها مكشوفة، فقواعدها باتت أهدافاً منذ صارت طرفاً في الحرب. وأسرع ما تفقده وظيفة تقرير ما هو مشروع أو مقبول وما هو غير ذلك، فقد دخلت حرباً لم تستشر فيها حلفاءها في الخليج، وتنقلت مبرراتها المعلنة من تغيير النظام إلى اتفاق نووي أفضل إلى ما هو أبعد منهما.
وحتى الإكراه الذي تحتفظ به لم يعد قابلاً للتحويل إلى حيث يحتاجه الحلفاء.
ففي العاشر من سبتمبر اتصل ولي العهد السعودي بترامب مرتين يطلب ضرب الحوثيين، فاكتفت واشنطن، بحسب موقع «أكسيوس»، بتبادل المعلومات الاستخبارية وبيانات الأهداف، لأنها أرادت أن يبقى تركيزها على إيران وهرمز.
فالمظلة لم تُسحب، لكنها مصوبة إلى مهمة اختارتها واشنطن لنفسها.
والصين تملك التبادل وتحرص على ألا تملك الإكراه، فاستخدمت في إبريل حق النقض مع روسيا ضد مشروع قرار في مجلس الأمن لحماية الملاحة في هرمز.
أما إسرائيل فمثال على أن صعود وظيفة لا يعوض انهيار أخرى، وقد يسرّعه.
بلغت قدرتها على الإكراه حداً لم تبلغه من قبل، بينما تتآكل شرعيتها بين أوامر المحكمة الجنائية الدولية وموجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتراجع التأييد بين الشباب الأمريكيين.
ويلخص «ميزان الأمن القومي» الذي أصدره معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب في أكتوبر الحالي في عبارة واحدة، «تفوق عملياتي إلى جانب تآكل استراتيجي».
وقد ارتفع الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي من نحو أربعة في المئة من الناتج إلى أكثر من ثمانية، ولم يشترِ ذلك ترتيباً إقليمياً واحداً.
وإيران تملك إكراه التعطيل وحده، فهي قادرة على منع المرور وعاجزة عن بناء ترتيب يقبله جيرانها.
ودول الخليج عقدة تتراكم فيها أشطار من الوظائف كلها دون أن تلتئم.
تملك رأس المال، وتبني قدرات حوسبة دفعت واشنطن في يوليو إلى رفع الإمارات إلى أعلى فئات الشركاء الموثوقين في تصدير التقنيات الحساسة، وتنتج خطاباً دينياً عابراً للحدود عبر مجلس حكماء المسلمين، وبيت العائلة الإبراهيمية ورابطة العالم الإسلامي، وتحتكر قطر وعُمان قسطاً معتبراً من الوساطة.
لكن الإكراه عندها مستعار.
فالسعودية لم تجد مظلة واحدة تحميها من ضربات تأتيها من إيران واليمن والعراق، فجمعت حمايتها قطعاً من باكستان وتركيا ومصر وفرنسا واليونان وأوكرانيا.
إنها تراكم ولا يرث الوظيفة أحد.
تعريف الإقليم لم يعد أمريكياً
ظلت وظيفة تعريف الإقليم أطول الوظائف بقاءً في يد واشنطن، ولم تعد كذلك.
ما زالت مراكز الأبحاث الأمريكية تملك أعلى الأصوات، ومشروع «مستقبلات الشرق الأوسط» الذي أطلقه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في سبتمبر يتحدث عن «فاعلية الإقليم» في ندوة إطلاق لم يجلس إليها إلا أمريكيون.
غير أن تعريف المنطقة صار يُصنع أيضاً في الدوحة وأبوظبي والرياض وإسطنبول وطهران، وفي تل أبيب وبكين وبروكسل، في مراكز بحث وشاشات ومنصات رقمية وصناديق تمويل بحثي، ولكل منها خريطته ومصطلحاته.
حتى اسم الحرب موضع نزاع، فهي «حرب أمريكية إيرانية» في رواية توحي بطرفين متكافئين، و«حرب أمريكية إسرائيلية على إيران» في رواية أخرى تحدد من بدأ، ولكل تسمية تبعاتها على تحديد المسؤول.
ويصل هذا التوزع إلى الأرقام نفسها.
في أسبوع واحد من سبتمبر سجلت وحدة معلومات «لويدز ليست» نحو خمس عشرة سفينة يومياً تعبر هرمز، ورصدت أداة صندوق النقد الدولي لتتبع المواني عبوراً واحداً في أحد أيام الشهر، وتحدث ترامب عن ثلاثين إلى أربعين سفينة كل ليلة.
والنظام في جوهره توقع مشترك لما سيحدث بعد ذلك، ولا يتشكل هذا التوقع إذا كان عدد السفن نفسه محل خلاف بين أقوى بحرية في العالم وجهات التتبع المستقلة.
التعددية القطبية وصف مضلل
لهذا يضلل وصف اللحظة بأنها تعددية قطبية، وهو الوصف الذي يتبناه مشروع المركز الأمريكي نفسه. فالتعددية القطبية تتخيل أقطاباً يملك كل منها حزمة كاملة، فيقوم التوازن بين الدول. والذي نراه أشطارا يملك كل فاعل منها وظيفة أو وظيفتين، فإن قام توازن فبين الوظائف؛ فمن يحمي لا يتاجر، ومن يتاجر لا يمنح الشرعية، ومن يمنح الشرعية لا يملك أداة لفرضها.
وفي هذا العالم تتصرف الدول الإقليمية بعقلانية.
تأخذ من كل شريك ما يملكه وحده، الحماية من واشنطن، والاستثمار والبنية التحتية من بكين، والسلاح السريع قليل الشروط من أنقرة، والدفاع الجوي من أي مصدر تيسر. وما يسميه بعض المحللين تحوطاً أو تردداً هو شراكة بالقطعة، تجعل كل علاقة قابلة للاستبدال، وتجعل الإقليم أكثر سيولة مما توحي به خرائط المحاور.
من يدفع الكلفة؟
انفصال القوة عن المسؤولية آلية لنقل التكاليف.
فمن يملك وظيفة واحدة يختار ما يتحمله ويترك الباقي، والباقي يسقط على من لا يملك شيئاً.
تتحمله الكويت وقطر والبحرين التي لا طريق لهم للالتفاف على المضيق.
ويتحمله المستهلك المصري الذي رُفعت عليه أسعار الوقود بين 15 و22 في المئة مطلع مارس، في اقتصاد خرج منه ما يقدر بخمسة إلى ثمانية مليارات دولار من الأموال الساخنة في الوقت الذي ارتفعت فيه إيرادات قناة السويس.
ربحت الدولة- إذن- في قناة وخسرت في أخرى، ولم تستطع أن تجعل الأولى غطاءً للثانية.
ويتحمله ملايين العمال المهاجرين في الخليج، الغائبون عن كل ما قرأته من تقارير استراتيجية عن هذه الحرب، مع أن الاقتصاد الذي تحاول هذه التقارير حمايته قائم على أجسادهم وعملهم.
السؤال الأجدى
من ينتظر وريثاً للدور الأمريكي سيظل يسيء قراءة المنطقة، لأنه يبحث عن كتلة في واقع تمتزج فيه الدولة مع الشبكة.
والسؤال الأجدى أي هذه الوظائف يمكن أن يُعاد تجميعه داخل الإقليم، وعلى يد من، وعلى حساب من.
التحالف البحري الذي تقوده السعودية في البحر الأحمر، واتفاق مكة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، تنسيق في مواجهة خطر قائم، والتنسيق ينقضي بانقضاء الخطر إن لم يتحول إلى مؤسسات.
وإلى أن يحدث ذلك ستواصل الكلفة انتقالها إلى الأطراف الضعيفة والهشة، وسيبقى الأقوياء قادرين على اختيار ما يحملون منها وما يتركون لغيرهم.
<p>The post زمن القوة المجزّأة في الشرق الأوسط first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360