ستتحول لنفايات.. الذكاء الاصطناعي قد يحول أجهزتنا الحالية لمجرد ذكريات
تصاعدت في الآونة الأخيرة التحذيرات العلمية والبيئية من دور تقنيات الذكاء الاصطناعي في قيادة العالم نحو موجة غير مسبوقة من النفايات الإلكترونية.
ومع التسابق المحموم لدمج قدرات البرامج الذكية في الهواتف والحواسيب الشخصية، بات المستهلك محاصراً بإغراءات التسويق لتحديث أجهزته الذكية حتى وإن كانت تعمل بكفاءة عالية، مما نقل مفهوم استبدال التقنية من “دافع التعطل” إلى “دافع مواكبة العصر”.
هنا السؤال هل تحول الذكاء الاصطناعي حقاً إلى متهم رئيسي في تفاقم أزمة النفايات الرقمية؟ أم أن الأزمة تكمن في أنماط الاستهلاك وسياسات الشركات؟ مختصون يجيبون ل”العربية.نت” و”الحدث.نت”.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد عسكر، استشاري نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي، أنه لا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي متهماً مباشراً وحصرياً بتفاقم أزمة النفايات الإلكترونية، لكنه يمثل بلا شك العامل الأبرز في إعادة تشكيل دورة حياة الأجهزة الرقمية وتكثيف سرعتها.

وأوضح د. عسكر ل”العربية.نت” و”الحدث.نت” أن دمج التقنيات الحديثة أدى إلى تحول جذر في مفهوم الاستهلاك لدى الأفراد، حيث أصبحت القرارات الاستثمارية لشراء الهواتف لا ترتبط بتعطل الجهاز، بل بقدرته على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المعقدة، وهو ما يفرض تحديات بيئية واقتصادية بالغة الخطورة تتطلب مسؤولية مضاعفة من كافة الأطراف.
وأضاف استشاري نظم المعلومات قائلاً: إن معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تعتمد على معالجات ووحدات معالجة عصبية متخصصة قادرة على تنفيذ ملايين العمليات في أجزاء من الثانية، وهو ما تفتقر إليه غالبية الأجهزة المطروحة قبل سنوات قليلة قائلا إن هذا التفاوت التقني خلق ما يُعرف ب”التقادم الوظيفي”، حيث يظل الجهاز سليماً من الناحية التشغيلية، لكنه يصبح قاصراً عن مسايرة المزايا الجديدة، مما يدفع المستخدم للاستبدال بدافع الشغف لا الحاجة الفردية.
وفند د. عسكر الادعاءات الشائعة بأن الأجهزة الحالية أصبحت غير صالحة للاستخدام، مؤكداً أن معظم الأجهزة المتداولة تلبي كافة المهام اليومية من عمل وتعليم وتواصل بكفاءة متكاملة، مشيرا إلى أن الخطاب التسويقي المصاحب للإصدارات الجديدة يركز على تضخيم الفجوة التقنية ليشعر المستخدم بتأخره عن الركب، ومشدداً على أن قيمة الجهاز الحقيقية تُقاس بمدى تلبيته لاحتياجات مالكه لا بعدد المزايا الشكليّة التي يفتقدها.
واختتم د. عسكر تصريحه محذراً من أن النفايات الإلكترونية باتت إحدى أسرع الأزمات البيئية نمواً عالمياً، نظراً لما تحويه الأجهزة من معادن ثمينة قابلة لإعادة التدوير من جهة، وعناصر خطرة ومسممة للبيئة حال التخلص العشوائي منها من جهة أخرى، مما يجعل القضية محوراً أساسياً في النقاشات الدولية حول الاقتصاد الدائري والاستدامة.
من جانبه، شدد الدكتور محمد فتحي الشريف، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، على عدم إمكانية إعفاء الشركات التكنولوجية الكبرى من مسؤوليتها الأخلاقية والبيئية، باعتبارها المحرك الأول لدورة إنتاج واستهلاك الأجهزة.
وقال د. الشريف ل”العربية. نت ” ” و”الحدث.نت”: إن تقصير فترات الدعم البرمجي، وتعقيد عمليات الإصلاح أو ترقية المكونات الداخلية للأجهزة، هي سياسات تُسهم بشكل مباشر في رفع معدلات الاستبدال والتخلص من الأجهزة. الشركات مطالبة اليوم بتبني مفهوم “الابتكار المسؤول”، عبر تصميم منتجات أطول عمراً وقابلة للإصلاح، وإطالة أمد التحديثات الأمنية، والاستثمار الجاد في برامج استعادة الأجهزة وإعادة تدويرها”.
وعلى صعيد سلوك المستهلك، أشار د. الشريف إلى أن القرارات الشرائية واعية التوجه تُعد المحرك الأقوى لتعديل مسار السوق، مبيناً أن صيانة الأجهزة وإعادة استخدامها أو التبرع بها يمثل سلوكاً حضارياً يحد من الهدر المادي والبيئي.
ولفت رئيس مركز العرب إلى مفارقة تقنية لافتة، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي الذي يُتهم بالتحفيز على زيادة النفايات، يمتلك في المقابل مقومات التحول إلى أداة إنقاذ رئيسية للأزمة، متابعاً بالقول يمكن توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتطوير أنظمة فرز رقمية عالية الدقة للمخلفات الإلكترونية، وتحسين كفاءة استخلاص المعادن النادرة، فضلاً عن تقنيات الصيانة التنبؤية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد الأعطال وتفاديها قبل حدوثها، مما يطيل العمر التشغيلي للمعدات.
واختتم الشريف تصريحاته بالإشارة إلى أن المنافسة العالمية في سوق التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة لن تتوقف عند إنتاج أجهزة أكثر ذكاءً، بل ستتركز في تقديم تقنيات أطول عمراً وأقل إضراراً بالبيئة، مؤكداً أن نجاح الثورة الرقمية يُقاس بقيمتها المضافة للإنسان ومدى احترامها للموارد الطبيعية لكوكب الأرض.
المصدر: العربية



