صندوق غامض.. أمنيون يكشفون أبعاد ضربة واشنطن لرجل الإخوان السري
بعد إعلان وزارة الخارجية الأميركية تصنيف القيادي الإخواني البارز محمود الإبياري وعدد من الشركات والكيانات التابعة للإخوان منظمات إرهابية لدعمهم حركة حماس، ثارت تساؤلات حول ماهية القرار وأسبابه ولماذا تم تصنيف الإبياري تحديداً كإرهابي؟
وقالت الخارجية في بيان إن جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس تديران منظمات تنقل الأموال لدعم الإرهاب، وتستخدمان شركات وكيانات توجهها حماس، وتستخدم جمعيات خيرية وشبكات سرية للتمويه ونقل الأموال دعماً للإرهاب.
محمود أحمد الإبياري وهذا اسمه بالكامل، الرجل الثالث في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان ومسؤول التمويل وشبكات الأموال والأنشطة الإعلامية للتنظيم والخلايا السرية التي تنفذ عمليات نقل الأموال عبر شركات متعددة الجنسيات في أوروبا وأفريقيا.
من مواليد 5 يونيو في العام 1952، ويلقب بالرجل الغامض داخل التنظيم، ويتولى مسؤوليات إدارية ومالية خاصة بالإخوان في القارة الأوروبية، ويشرف على متابعة نشاط شركات ومؤسسات الجماعة بتكليف من التنظيم الدولي، كما يتولى مسؤولية الإشراف على رعاية عناصر الجماعة الفارين من مصر إلى الخارج وتحديداً في أوروبا وأميركا اللاتينية.
خيط مشترك
ويقول اللواء عادل عزب مسؤول ملف الإخوان المسلمين السابق بجهاز الأمن الوطني المصري لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”، إنه منذ صدور الأمر التنفيذي الأميركي رقم 14362 في نوفمبر من العام الماضي، ثم القرارات التي أعقبته واستهدفت فروعاً محددة لجماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان، انقسمت التفسيرات بين من رأى أن الولايات المتحدة بدأت مواجهة شاملة مع التنظيم الدولي للإخوان، وبين من اعتبر أن هذه الإجراءات ترتبط بملفات أخرى أكثر تحديداً.
وتابع أن ما يلفت الانتباه منذ صدور تلك القرارات، أن هناك خيطاً مشتركاً يجمع بينها جميعاً، وبدا أن مفتاح فهم هذه الإجراءات لا يكمن في اسم جماعة الإخوان وحده، وإنما في موقع حركة حماس داخل المشهد، موضحاً أن حضور جماعة الإخوان فيها جاء عند نقاط التقاطع التي ترى واشنطن أنها ترتبط بشبكات دعم حماس أو تمويلها. وتابع أن القائمة ضمت الإخواني القيادي محمود الإبياري، والأردني خلدون خميس زكريا، وشركة القاهرة للتجارة العامة، إلى جانب زيد الجبوري وعبد الله الجبوري. مشيراً إلى أنه رغم أن هذه الأسماء تبدو للوهلة الأولى متفرقة، فإن التدقيق فيها يكشف أنها تمثل مستويات مختلفة داخل شبكة واحدة، وهو ما يساعد على فهم المنطق الذي حكم القرار الأميركي.

لم يشغل موقعاً تنظيمياً داخل مصر
نأتي لمحمود الإبياري الذي جاء في مقدمة هذه الأسماء -كما يقول مسؤول الأمن الوطني المصري- ورغم أنه مصري الجنسية، فإنه لم يسبق له شغل موقع تنظيم داخل جناح التنظيم في مصر، وإنما شغل مواقع متعددة تتصل تبعيتها للأمانة العامة للتنظيم في لندن، حتى وصل حالياً لمنصب الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو موقع يختلف بطبيعته عن المواقع القيادية داخل الفروع القطرية للجماعة، موضحاً أن هذه ملاحظة مهمة؛ لأن إدراجه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره استهدافاً لقيادي في فرع الجماعة داخل مصر، وإنما باعتباره استهدافاً لشخصية تتولى مسؤولية تنظيمية على مستوى التنظيم الدولي، بما يتيحه هذا الموقع من صلات مع فروع الجماعة في عشرات الدول، فضلاً عما ذكرته وزارة الخزانة الأميركية من ارتباطه بشبكات دعم حماس.
أما بقية الأسماء، فيقول اللواء عادل عزب إنها تنتمي إلى المستوى المالي والتجاري، فقد أدرج البيان خلدون خميس زكريا، وشركة القاهرة للتجارة العامة، وزيد الجبوري، وعبد الله الجبوري، على أساس ما ذكرته وزارة الخزانة من أدوار تتعلق بتقديم خدمات أو تسهيلات مالية تدخل ضمن شبكات الدعم التي تستفيد منها حماس.
حرب غزة العامل المباشر
ويضيف اللواء عزب أنه يمكن فهم سبب اجتماع هذه الأسماء، على اختلاف مواقعها، في قرار واحد، فمحمود الإبياري يمثل المستوى القيادي في التنظيم الدولي، بينما تمثل فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان والتي سبق وأن أدرجها القرار الأميركي السابق في يناير الماضي المستوى التنظيمي، في حين يمثل خلدون خميس زكريا وشركة القاهرة للتجارة العامة وزيد الجبوري وعبد الله الجبوري المستوى المالي والتجاري، فإن الولايات المتحدة تعاملت معهم باعتبارهم حلقات داخل شبكة واحدة، لا باعتبارهم أعضاء في هيكل تنظيمي هرمي.
يبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام: لماذا جاء هذا القرار الآن؟ يقول مسؤول الأمن الوطني المصري إن الإجابة ترتبط بالتصعيد الأميركي ضد إيران، بينما يربطها آخرون بالحرب المستمرة في قطاع غزة، موضحاً أن الحرب في غزة تبدو العامل المباشر الذي سرّع بهذه الإجراءات، بينما يمثل الصراع الإقليمي مع إيران الإطار الأوسع الذي تتحرك داخله السياسة الأميركية مضيفاً وبعبارة أخرى، فإن غزة تفسر توقيت القرار، أما إيران فتفسر البيئة الاستراتيجية التي صدر فيها. لكن توقيت القرار يكشف أيضاً عن أمر آخر لا يقل أهمية، وهو أن الولايات المتحدة تستهدف ملاحقة النشاط، فيما يتصل بالبنية المالية للتنظيم في محاولة لإضعاف قدرتها على الاستمرار على المدى الطويل في أماكن محددة دون سواها.
وكشف عزب أن التجارب السابقة تؤكد أن الشبكات المالية المرتبطة بالتنظيمات العابرة للحدود تمتلك قدرة على التكيف، وإعادة توزيع الأدوار، والبحث عن قنوات بديلة كلما تعرض أحد مساراتها للضغط، لكن، في المقابل، فإن أثرها لا يستهان به؛ فهي ترفع تكلفة الحركة، وتضيق مسارات التمويل، وتزيد من صعوبة إجراء التحويلات المالية، وتدفع القائمين على هذه الشبكات إلى تغيير الوسطاء والواجهات وآليات العمل بصورة مستمرة، بما يستهلك الوقت والجهد والموارد، ويحد من الكفاءة التي كانت تعمل بها هذه الشبكات.
توسيع دائرة العزلة المالية
وقال إن القرار الأميركي يحمل رسالة إلى المؤسسات المالية والشركات والأفراد في مختلف الدول، مفادها أن التعامل مع الأشخاص أو الكيانات المشمولة بالعقوبات قد يعرضهم بدورهم لإجراءات أميركية، وهو ما يؤدي إلى توسيع دائرة العزلة المالية حتى خارج نطاق الأشخاص الذين شملهم القرار مباشرة.
إذن أي نوع من الضربات نحن أمامه؟
ويجيب مسؤول الأمن الوطني المصري بالقول إذا أردنا توصيف طبيعة هذه الضربة، فمن الصعب اعتبارها ضربة شاملة، كما يصعب التقليل من أثرها بوصفها مجرد إجراء رمزي أو رسالة سياسية، وعليه، فإن أقرب توصيف لهذا القرار أنه ضربة جزئية موجعة ضمن استراتيجية استنزاف متدرج، تستهدف إضعاف الشبكات وتعقيد عملها وتقليص قدرتها على الحركة، دون الادعاء بأنها قادرة، بمفردها، على إنهاء هذه الشبكات بضربة واحدة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك: هل تكشف هذه الإجراءات عن تحول في السياسة الأميركية تجاه جماعة الإخوان، أم أنها تعكس فقط تغيراً في أولويات واشنطن في التعامل مع شبكات دعم حماس؟
شبكة الدعم المالي المرتبطة بحماس
وهنا يقول اللواء أحمد عليوة مسؤول الأمن الأسبق في شمال سيناء لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”: إذا أردنا أن نستخلص دلالة أوسع من العقوبات الأميركية الأخيرة، فإنها لا تتعلق فقط بالأسماء التي شملتها القوائم، وإنما بالطريقة التي أصبحت واشنطن تنظر بها إلى التنظيم الدولي للإخوان. ففي السابق، كانت المقاربة الأميركية تنطلق غالباً من تصنيف التنظيمات العابرة للحدود باعتبارها كيانات سياسية أو دينية أو إرهابية، أما اليوم فيبدو أن الاهتمام أصبح ينصب بدرجة أكبر على الوظيفة التي يؤديها كل شخص أو كيان داخل شبكة معينة، بغض النظر عن موقعه التنظيمي أو صفته التنظيمية.
ويوضح اللواء عليوة، أن الإجراءات الأميركية لم تستهدف جميع فروع جماعة الإخوان، ولم تشمل كل قيادات التنظيم الدولي، وإنما اتجهت إلى الأشخاص والكيانات التي ترى الولايات المتحدة أنهم يؤدون أدواراً داخل شبكات الدعم المالي المرتبطة بحركة حماس مضيفا بالقول وهذا يعني أن واشنطن لا تتحرك، في هذه المرحلة على الأقل، وفق خريطة التنظيمات بقدر ما تتحرك وفق خريطة الشبكات فهي لا تسأل أولاً: إلى أي تنظيم ينتمي هذا الشخص؟ وإنما تسأل: ما الوظيفة التي يؤديها؟ وهل يسهم في التمويل أو النقل أو التسهيل أو إدارة الموارد؟

ويقول اللواء أحمد عليوة إنه من هنا يمكن فهم إدراج الأمين العام للتنظيم الدولي إلى جانب رجال أعمال وشركة تجارية في قرار واحد فالجامع بينهم، وفق الرؤية الأميركية، ليس انتماءهم إلى هيكل تنظيمي واحد، وإنما أداء كل منهم وظيفة مختلفة داخل شبكة واحدة ، مضيفاً أن هذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة قد حسمت موقفها من جماعة الإخوان كتنظيم عالمي، لكنه يعني أن الأولوية الحالية تبدو موجهة إلى تفكيك الشبكات التي ترى واشنطن أنها تمثل أحد أهم مصادر الدعم المالي واللوجستي لحركة حماس.
المصدر: العربية
