“عقيدة بريجنيف”.. قصة الهيمنة السوفيتية على أوروبا الشرقية
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، اتجه الاتحاد السوفيتي إلى تأمين حدوده في مواجهة دول المعسكر الغربي عبر إرساء أنظمة شيوعية موالية لموسكو في دول أوروبا الشرقية التي حررها الجيش الأحمر من قبضة الألمان خلال سنوات الحرب.
وبين عامي 1945 و1948، ظهرت أنظمة شيوعية في بولندا والمجر ورومانيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية. ولدعم التنسيق بين هذه الأنظمة ضمن المعسكر الشرقي، لجأت موسكو إلى إنشاء هياكل ومؤسسات وتحالفات مثل الكومنفورم (Kominform)، ومجلس التعاون الاقتصادي المشترك، وحلف وارسو الذي تأسس عام 1955 رداً على إنشاء حلف شمال الأطلسي.
وسعياً للحفاظ على هيمنته على المعسكر الشرقي، تبنى الاتحاد السوفيتي خلال عهد ليونيد بريجنيف ما عُرف بـ”عقيدة بريجنيف” (Brezhnev Doctrine)، التي استخدمها لتبرير تدخلاته العسكرية في دول المعسكر الشرقي وغيرها.

التدخل بتشيكوسلوفاكيا
مع توليه زمام الأمور في الاتحاد السوفيتي خلفاً لنيكيتا خروتشوف عام 1964، اتجه ليونيد بريجنيف إلى إحكام قبضة موسكو على دول المعسكر الشرقي بهدف ضمان ولائها وتجنب أي تقارب محتمل بينها وبين الدول الغربية أو إصلاحات سياسية قد تهدد تبعيتها للاتحاد السوفيتي.
وبدءًا من سنة 1968، بدأت ملامح عقيدة بريجنيف بالتبلور تجاه دول المعسكر الشرقي. ففي ذلك العام، تدخلت دول حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي عسكرياً في تشيكوسلوفاكيا للإطاحة بالإصلاحيين الشيوعيين بقيادة ألكسندر دوبتشيك (Alexander Dubček)، الذين دعوا إلى مفهوم جديد للاشتراكية عُرف باسم “الاشتراكية ذات الوجه الإنساني”.
فيما شمل هذا التصور إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية اعتبرها الاتحاد السوفيتي خطيرة، محذراً من احتمال انتقالها إلى بقية دول المعسكر الشرقي. وعقب التدخل العسكري، أنهى الاتحاد السوفيتي الفترة التي عُرفت تاريخياً باسم “ربيع براغ”.
قواعد عقيدة بريجنيف
في مقال نشرته صحيفة البرافدا (Pravda) الرسمية، استعرض سيرغي كوفاليف (Sergei Kovalev) أبرز مبادئ ما عُرف بعقيدة بريجنيف. وقد حمل المقال عنوان “السيادة والالتزامات الدولية للدول الاشتراكية”.
وفي معرض تبريره للعقيدة التي أتاحت للاتحاد السوفيتي التدخل في شؤون الدول الأخرى، ألقى ليونيد بريجنيف خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 1968 خطاباً أمام مؤتمر حزب العمال البولندي، حذر فيه من محاولات قوى معادية للاشتراكية تغيير مسار التنمية في الدول الاشتراكية ودفعها نحو الرأسمالية، مؤكداً أن مثل هذه التحركات تمثل هاجساً ومشكلة مشتركة لجميع الدول الاشتراكية.

وبموجب عقيدة بريجنيف، تمتعت دول المعسكر الشرقي بسيادة محدودة لا تسمح لها باتخاذ خطوات قد تهدد النظام الاشتراكي. في المقابل، احتفظ الاتحاد السوفيتي بحق التدخل عسكرياً في هذه الدول إذا رأى أن الإصلاحات الجارية فيها قد تقود نحو الرأسمالية. كما فرضت العقيدة على دول المعسكر الشرقي الوقوف جنباً إلى جنب للدفاع عن الشيوعية في مواجهة أي تهديد، ومنعتها بصورة قاطعة من الانسحاب من حلف وارسو تحت أي ظرف.
ثم خلال السنوات التالية، أبرم بريجنيف سلسلة من الاتفاقيات مع دول المعسكر الشرقي بهدف ضمان تطبيق عقيدته وتعزيز التعاون داخل الكتلة الشرقية. وعلى الرغم من أن أفغانستان لم تكن جزءًا من المعسكر الشرقي، فقد أمر عام 1979 بالتدخل العسكري فيها حفاظاً على النفوذ السوفيتي ودعم الحكومة الشيوعية الحليفة لموسكو.
ومع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى الحكم، بدأت عقيدة بريجنيف تفقد فعاليتها. ففي عام 1989، رفض غورباتشوف استخدام القوة العسكرية في بولندا، حيث أسفرت انتخابات حرة عن هزيمة الشيوعيين الموالين لموسكو.
المصدر: العربية


