علم النفس يكشف سر عدم التمييز بين الصمت العادي والناجم عن الغضب
يكشف علم النفس أن صعوبة التمييز بين الصمت العادي والصمت الناتج عن الغضب أو الرفض تعود غالباً إلى أنماط تربوية مبكرة، ففي بعض البيوت، لا يُعبر الوالدان عن خيبة الأمل بالكلمات، بل عبر انسحاب المودة أو الصمت المفاجئ، وهو ما يُعرف بـ”التحكم النفسي الأبوي”.
ووفقاً لما ورد في تقرير نشره موقع Bolde، يتعلم الطفل في هذه البيئة أن الدفء يمكن أن يختفي فجأة، فيصبح شديد الحساسية لأي تغير في المزاج، ويطور عادة مراقبة الأجواء باستمرار لتجنب فقدان القبول.
المراقبة العاطفية
يُسمى هذا النمط لاحقاً بـ”المراقبة العاطفية”، حيث يراقب الفرد مشاعر الآخرين ويعدل سلوكه وفقها. تكمن المشكلة في أن الشخص يفسر الصمت أو التعب أو الشرود على أنه موجه ضده شخصياً، فيعيش حالة يقظة دائمة تشبه جهاز إنذار سريع الاستجابة، ينطلق بمجرد وجود الغموض دون انتظار أدلة ملموسة.
إن الأبحاث الحديثة، مثل مراجعة علمية نُشرت في Frontiers in Psychology عام 2026، تؤكد أن الأطفال الذين تعرضوا لانسحاب المودة يصبحون أكثر حساسية تجاه إشارات الرفض الاجتماعي عند بلوغهم الشباب. وفي علاقاتهم كبالغين، يتحول هذا إلى شعور بالمسؤولية المفرطة تجاه أمزجة الآخرين، فيسألون باستمرار “هل أنت غاضب مني؟” حتى لو كان الطرف الآخر مجرد منشغل أو متعب.

حساسية تجاه الرفض
توضح عالمة النفس ستيفاني ساركيس أن هذه المهارة، التي ساعدت الطفل على النجاة في بيئة غير مستقرة، تتحول لاحقاً إلى عبء. كما أظهرت دراسات في كلية الطب ببرلين أن من تعرضوا لسوء معاملة عاطفية في طفولتهم يظهرون حساسية مفرطة تجاه الرفض الاجتماعي لاحقاً. تنشأ هذه الحساسية في مرحلة الطفولة، ويمكن أن تتطور أيضاً نتيجة تجارب في علاقات عاطفية أو بيئات عمل غامضة القواعد يمر بها البالغون.
نمط سلوكي متجذر
كما كتبت لورا بيتراسيك، وهي اختصاصية اجتماعية سريرية، عن “الحساسية تجاه الرفض” باعتبارها نمطاً سلوكياً متجذراً في تجارب مبكرة تعرض فيها الفرد لعدم الاعتراف بمشاعره أو للإهمال. وتنشأ هذه الحساسية بسبب آلية استجابة عاطفية تشكلت لتلائم بيئة معينة، لكنها تظل تعمل في سياقات ومواقف تختلف فيها القواعد تماماً.
التحدي الأكبر
يكمن التحدي الأكبر أمام هؤلاء الأشخاص هو تعلم التريث بين الملاحظة والتفسير. فبدلاً من اعتبار كل صمت رسالة شخصية، عليهم تقبل حالة “عدم اليقين” لبضع ثوانٍ إضافية، وطرح سؤال مباشر مثل: “هل كل شيء بخير؟”، ثم قبول الإجابة كما هي دون البحث المستمر عن أدلة على أنها غير صادقة.
مجرد تعب أو انشغال
إن بيت القصيد هو أنهم لا يسيئون فهم المواقف دائماً، بل إن جرس الإنذار لديهم يدق سواء كان هناك ما يستدعي رد الفعل أم لا.
ويشير الخبراء إلى أن الحل لا يكمن في التوقف عن قراءة الأجواء، بل في التوقف عن اعتبار كل قراءة رسالة موجهة إليهم. فالصمت ربما يكون أحياناً فعلاً تعبيراً عن الغضب، لكن ليس دائماً. كثيرون يفسرون الصمت أو الشرود على أنه رفض شخصي، بينما قد يكون مجرد تعب أو انشغال.
وبعبارة أخرى، فإن الحل هو تطوير القدرة على التريث وتقبل الغموض وطرح أسئلة مباشرة بدلاً من افتراض المسؤولية عن كل تغير في الأجواء.
المصدر: العربية – منوعات



