غلطة مبارك الثانية
لم يكن الرئيس مبارك ضيق الصدر ولا سريع الغضب، ولا يستجيب للاستفزاز ولا يميل للانتقام، وليس له فى التمثيل والاستعراض ولا تستهويه ردود الفعل غير المدروسة، ساعدته تلك الفضائل على البقاء ممُسكاً من السلطة بكل لجام وزمام ثلاثة عقود من الزمن ليكون الأطول فى حكم مصر الحديثة بعد مؤسسها محمد على باشا. باختصار شديد: كان مبارك – الشخص والحاكم – يمثل خلاصة المتوسط الحسابى لمجموع المصريين فى اعتدالهم وصبرهم وحذرهم الغريزى العميق. لم يكن فيه حماس ومبادئ عبدالناصر الذى تولى القيادة الفعلية وهو فى الرابعة والثلاثين ثم الرسمية وهو فى الثامنة والثلاثين. كما لم تكن له دراما السادات وخياله ومغامرته وخطابته، بل وجسارته حربا وسلماً. كان مبارك تجسيداً لما بعدهما، أى لجيل أكتوبر وليس جيل يوليو، جيل إعادة بناء ما تهدم بناؤه أو تعطل بناؤه على أثر ثلاثين عاماً من الحروب، من ١٩٤٨ حتى اتفاق كامب ديفيد ١٩٧٨، كما كان يمثل جيل التقاط الأنفاس بعد ربع قرن من التحولات الجذرية الحادة العاصفة فى عهدى ناصر والسادات، هذا هو الأساس الذى انبنت عليه شرعية مبارك، وضمنت له البقاء فى موقعه، وكان من الطبيعى أن يبقى فى موقعه حتى وفاته لولا الغلطتان:
– الغلطة الأولى عدم تعيين نواب أو نائب لرئيس الجمهورية لمدة ثلاثين عاماً، وكان الطبيعى أن يفعل مثلما فعل من قبله عبدالناصر والسادات، هذه الغلطة جعلت عصر مبارك مثل نَفَق طويل له فتحة مدخل وليست له فتحة مخرج، عصر مسدود فى نهايته، وهذا تبرير كافٍ لما حدث فى ٢٥ يناير ٢٠١١.
– ثم الغلطة الثانية، والتى خرج فيها على تقاليد جمهورية يوليو، فهى نزول نجله الأصغر ميدان السياسة يقود جيلاً من الشباب داخل الحزب الحاكم، ومن خلال الحزب الحاكم وجد منفذاً ليمارس دورا توجيهياً على الحكومة والوزراء تحت لافتة الحزب وحكومته. وإذا كانت الغلطة الأولى كافية لتبرير الخروج الأكبر للجماهير فى يناير، فإن الغلطة الثانية كانت كافية لتبرير الاغتيال الأدبى الكامل لمبارك وحكمه وعهده ورجاله كأنه لم يكن غير تراكم من السوءات لا مكان بينها لأى حسنات. ديكتاتورية مبارك لا تكفى لتبرير مصيره المأساوى فهى ديكتاتورية ورثها عن سابقيه، ويمكن تلخيصها فى كلمات معدودة: الرئيس يأتى بالبرلمان، ثم البرلمان يرشح الرئيس فى استفتاء على شخص واحد فقط حيث الرئيس يتنافس مع الرئيس مثل سباق خيول يعدو فيه حصان واحد، والتزوير هنا تحصيل حاصل ونتيجة بديهية. كانت هذه ديكتاتورية مبارك، لم يأت فيها بجديد عمن سبقوه غير أنه طال عليه الأمد فاستشعرت الأجيال الجديدة الضجر، ثم السخط، ثم الغضب.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة




